بقلم : جمال علي الدين المجولي
فى صباح من تلك الصباحات التي تبدو مشغولة بالناس والحركة، لكنها في الحقيقة فاضية للحكي، كنت قاعد على مصطبة قدام دكان الحاج نعيم عقيبي – الله يرحمه – عند ناصية شارع الصوالحة في مجول. المكان يعرفنا ونفهمه، يعرف تعبنا وسكتاتنا، ويشهد على حكايات اتقالت ونفوس كانت محتاجة تتفك شوية.
كان واقف قدامي “وش من الناس”؛ الاسم مش مهم، لأنه ممكن يكون أي حد فينا. مسنود على عمود الكهربا، ماسك الموبايل من غير ما يبص فيه، وكأن الجهاز مجرد حجة يمسك فيها أعصابه. قالها وهو متضايق، بنبرة فيها حدّة مكبوتة:
«أنا مش فاهم… أقول له صباح الخير، يرد عليّ: مرحب يا خال!
لا هو من طبقتي، ولا أنا من ثقافته، ولا بينا دم ولا نسب… إيه اللي يخليه يناديني كده؟»
ساعتها كان الأستاذ ربيع عبدالرحمن الخولي ، مدير عام الشئون القانونية بمديرية صحة القليوبية ، قاعد جنبى على نفس المصطبة ، بيراقب الناس وهي بتعدي كعادته، يسمع أكتر ما يتكلم .. رد بهدوء يشبه هدوء الناس اللي شافت كتير:
يمكن لأنه شافك بني آدم، قبل ما يشوفك طبقة.
الجملة وقعت تقيلة. “وش من الناس” لفّ بسرعة، وكأن الفكرة مستفزة:
بني آدم إيه بس؟ الكلام ليه حدود، والحدود دي مش أنا اللي حاططها… دي اتربينا عليها.
هنا بان الفرق بين اللي اتربى على “الحدود” واللي فهم مع الوقت إن الحدود ساعات بتتحول لأسوار. قالها الخولي ببساطة:
الحدود لما تكتر، بتبقى أسوار… والأسوار بتخلّي الواحد خايف من أي كلمة جاية من غير استئذان.
تنهد الرجل وقال:
كلمة “خال” مش سهلة. دي كلمة بتدخل البيت، تفتح المطبخ، وتقعد على الكنبة من غير ما تخبط.
ضحكت في سري من التشبيه، لكن الخولي كمّلها بجد:
ويمكن هو كان محتاج يقعد شوية… مش في بيتك، في حتة إنسانية جواك.
سكتنا لحظة. بائع من بعيد نادى على بضاعته، والحياة كملت عادي، إلا جوا الراجل. قالها بصراحة:
أنا حسّيت إنها إهانة… حسّيت إنه بينزلني درجة.
رد الخولي:
أصلنا اتعودنا نقيس نفسنا بالسلم. نطلع درجة ونخاف نقع، فنشك في أي حد يقرب مننا.
سأل بصوت أوطى، كأنه بيسأل نفسه:
يعني إنت شايف إن مافيش قصد؟
قالها الخولي وهو ثابت:
شايف إن الراجل ما كانش شايل ميزان. ما قاسش مرتبك، ولا لغتك، ولا تاريخك. شاف وشك… وقال كلمة من المخزون القديم، المخزون اللي قبل الطبقات.
ابتسم “وش من الناس” ابتسامة مترددة:
غريب… أنا سمعت الكلمة بعقلي، مش بقلبي.
وده الفرق الحقيقي. العقل يحب يرتب الناس، يحطهم في خانات، إنما القلب يحب يلمّهم. سأله:
يعني “مرحب يا خال” مش دايمًا معناها تعدي؟
أجابه:
أحيانًا معناها: أنا مش غريب عنك… حتى لو الدنيا كلها بتقول غير كده.
الكلمة قعدت في الهوا. وبعد شوية قال الرجل:
يمكن المشكلة مش في النداء… يمكن في خوفي أطلع من القالب.
القوالب مريحة، آه… لكنها بتخنق. وكلمة بسيطة، من غير قصد، ممكن تكسر القالب كله.
عدّى نفس الراجل من بعيد، ابتسم، وقالها تاني:
مرحب يا خال.
تردد “وش من الناس” لحظة، وبعدين رد بهدوء ماكانش موجود من شوية:
صباح النور… يا ابني.
وهنا فهمت إن الحكاية كلها ما كانتش عن كلمة، ولا عن طبقة، ولا عن ثقافة. كانت عن خوف دفين جوانا: خوف إننا نهتز، خوف إن صورة رسمناها لنفسنا تتشرخ.
ملاحظة مجولية أخيرة:
مش كل كلمة جاية من تحت تبقى إهانة، ومش كل كلمة جاية من فوق تبقى احترام. إحنا اللي بنحمل النداء أكتر مما يحتمل، ونحط فيه تاريخنا الشخصي ومخاوفنا وصورتنا اللي بنلمعها قدام نفسنا قبل الناس.
“يا خال” مش كلمة نسب، دي أحيانا كلمة نجاة… حبل صغير بيمسك فيه اللي قدامك علشان يحس إن في أرض مشتركة معاك ، حتى لو للحظة.
الخطر مش في النداء، الخطر إننا نصده، لأن اللي بيخاف من كلمة… غالبا خايف من نفسه أكتر ما هو خايف من اللي قالها.
الكلمة مرآة لا سُلم: قراءة في “الطبقة والثقافة والألفة”
المقال يشتغل على لحظة يومية عابرة، لكنه ينجح في تحويلها إلى مدخل للتفكير في واحدة من أكثر العقد الاجتماعية حضورًا في حياتنا: علاقتنا بالكلمات بوصفها حاملة للطبقة، لا مجرد وسيلة تواصل. جمال المجولي يختار مشهدًا بسيطًا – مصطبة، دكان، تحية عادية – لكنه يبني فوقه طبقات من التأويل، ويقودنا بهدوء نحو سؤال أعمق: هل نحن من نفسر الكلمات، أم أن تاريخنا الشخصي هو الذي يفسرها لنا؟
أقوى ما في النص هو هذا الاشتباك الناعم بين “العقل” و”القلب”. الحوار بين “وش من الناس” والأستاذ الخولي لا يبدو تنظيريًا، بل أقرب إلى حكمة مُعاشة. جملة مثل “يمكن لأنه شافك بني آدم قبل ما يشوفك طبقة” تُلخص فلسفة المقال دون تعقيد، وتفتح بابًا لتفكيك فكرة التراتبية التي نحملها في وعينا حتى في أبسط المواقف. الكاتب هنا ذكي في استخدامه للغة العامية الممزوجة بنَفَس تأملي، ما يجعل النص قريبًا من القارئ دون أن يفقد عمقه.
كذلك، يحسب للمقال قدرته على إعادة تأهيل كلمة شعبية مثل “يا خال”. الكلمة التي قد تُفهم كاقتحام أو تجاوز، يعيد تقديمها كـ”حبل نجاة” إنساني، محاولة لخلق أرض مشتركة في عالم تتزايد فيه الفواصل. هذا التحويل في الدلالة هو قلب النص، وهو ما يمنحه طاقة إنسانية واضحة.
لكن، ورغم هذا النجاح، هناك نقطة تستحق التوقف عندها. المقال يميل إلى تبرئة الكلمة تمامًا، وكأن سوء الفهم دائمًا نابع من المتلقي فقط. في الواقع، اللغة ليست بريئة بالكامل؛ فهي محمّلة بسياقات اجتماعية وثقافية قد تجعل نفس الكلمة حميمية في موقف، ومتعالية أو مستفزة في موقف آخر. تجاهل هذا الجانب يُبسط الإشكالية أكثر مما ينبغي. فليس كل من يتحسس من لفظ معين “أسير طبقته”، كما أن ليس كل من يستخدم ألفاظ القرب “خالي من الأحكام”.
أيضًا، النص يعتمد بشكل كبير على ثنائية “القلب مقابل العقل”، وهي ثنائية جذابة أدبيًا، لكنها قد تختزل التعقيد الحقيقي للتجربة الإنسانية. أحيانًا يكون “العقل” هو ما يحمينا من تأويلات ساذجة، وليس فقط ما يقيدنا داخل “قوالب”.
ومع ذلك، يظل المقال ناجحًا في هدفه الأساسي: زعزعة يقين القارئ تجاه المسلمات اليومية. هو لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يخلق مساحة شك صحية، ويدعو القارئ لمراجعة ردود أفعاله تجاه الآخرين. النهاية، حين يرد الرجل بـ”صباح النور يا ابني”، ليست مجرد حل درامي، بل إشارة إلى إمكانية كسر القوالب – ولو للحظة.
في المحصلة، “الطبقة والثقافة والألفة” نص ذكي وبسيط في آن، يذكرنا بأن الكلمات ليست فقط ما نقوله، بل ما نحمله داخلنا ونحن نقولها أو نسمعها. وربما أهم ما يقدمه هو هذه الفكرة: أن الخطر ليس في الكلمة نفسها، بل في المسافة التي نضعها بيننا وبين الآخرين قبل أن نسمعهم.