العازف الذي خانه اللحن
بقلم : محمد عبدالرحمن - بتاريخ /31-5-2026
لم يكن الأستاذ حازم رجلًا عاديًا، ولا حتى حزينًا بالمعنى السهل للحزن ، بل كان أشبه بنغمةٍ ناقصة في لحنٍ طويل، نغمة لو استُعيدت لاستقام اللحن، ولو غابت ظل الوجع يتردد في الخلفية.
في الخمسين من عمره، كان يعيش وحده في شقةٍ صغيرة تتكدس فيها النوتات الموسيقية أكثر مما تتكدس فيها الذكريات، كأنه قرر أن يستبدل ماضيه بالأوراق .. لم يتزوج ولم يحاول حتى .. كان يردد دومًا، حين يسأله أحد طلابه أو زملائه:
"أنا اخترت الهدوء… والهدوء مفيهوش وجع"
لكن الحقيقة لم تكن كذلك.
قبل أكثر من عشرين عامًا، كان حازم شابًا نحيلًا يحمل في عينيه وهج الموسيقى أكثر مما يحمل من يقين الحياة.. كان يرى العالم نغمًا قابلًا للعزف لا صفقةً قابلة للحساب .. أحب فتاةً تدعى " أفنان عبدالحميد " تدرس الطب .. لم يكن جمالها في ملامحها فقط ، بل في ذلك البريق الحاد الذي يشبه طموحًا لا يعرف الرحمة.
تعلق بها كما يتعلق العازف بآلته الأولى .. ببراءة وبإيمانٍ أعمى أن الشغف يكفي !.
لكنها لم تكن ترى الأمور بهذه البساطة.
في مساءٍ عابر التقيا حازم وأفنان في شارع مزدحم .. تتقاطع فيه الأضواء مع ضجيج السيارات وكأن المدينة كلها شاهدة على لحظة ستُطفئ شيئًا داخله إلى الأبد.. كانت تقف بثبات غريب، كأنها حسمت الأمر قبل أن تأتي .. بينما كان هو لا يزال يظن أن الحديث مجرد سحابة صيف.
قالت دون مقدمات بنبرة خالية من أي ارتباك:
"بص يا حازم .. خلينا واقعيين."
تجمد قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة:
"واقعيين إزاي؟"
نظرت إليه نظرة سريعة ثم أشاحت بوجهها كأنها تخشى أن تضعف:
"أنا داخلة على حياة .. على مستوى .. على اسم .. أهلي مش شايفينك مناسب .. وأنا مش حقدر أزعل أهلي مني وأعارضهم خصوصاً أنهم أكيد عارفين مصلحتي أكتر مني ."
سكتت لحظة .. بينما هو في حالة من الذهول لم يستوعب ماذا تقول ، ثم أضافت ببرودٍ محسوب:
"إنت موهوب، آه… بس الموهبة مش بتفتح بيوت .. الحب مش بيصرف ، ومش بيعمل مكانة في المجتمع اللي أحنا عايشين فيه "
كانت كلماتها حادة لا لأنها صريحة بل لأنها تحمل خلفها أصواتًا أخرى ، أصوات بيتٍ لا يرى في الإنسان إلا ما يملك ولا يقيس القيمة إلا بما يظهر أمام الناس.
تقدم خطوة كما لو كان يحاول الإمساك بشيء يتسرب من بين يديه:
"وإحنا ؟ كل ده كان إيه؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة أقرب إلى الشفقة منها إلى الحنين:
"كان جميل ومُسليي زي الأحلام اللي بنحلمها وأحنا نايمين وبنصحى ننساها والأفضل ليك وليا أننا نسى ونعتبر اللي بينا كان مجرد حلم .. وماحدش بيعيش في الأحلام وبينجح "
لم تبكِ.. لم تتردد.. فقط أنهت الحديث كما تُنهى صفقة خاسرة، ثم مضت.
بعد أشهرقليلة .. تزوجت من طبيبٍ يليق بالصورة التي أرادها لها أهلها .. اسمٌ لامع .. حسابٌ في البنك ممتلئ .. ومكانة تُرضي العيون قبل القلوب.
أما حازم .. فقد عاد إلى عالمه الوحيد .. عالم لا يُسأل فيه عن رصيده ، بل عن إحساسه.. دفن قلبه بين النوتات وأغلق عليه كما يُغلق صندوقٌ قديم على شيءٍ لم يعد صالحًا للاستخدام.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد يرى في الحب سوى خدعةٍ مكررة .. حكاية تُقال لمن لا يعرفون بعد أن العالم لا يُدار بالعاطفة، بل بالمصالح.
في معهد الموسيقى، كان حازم أستاذًا صارمًا، لكنه عادل.. لا يرفع صوته كثيرًا، لكن نظرته وحدها كانت كفيلة بأن تُسكت أي فوضى.
وفي أحد الأيام، دخلت هي.
اسمها "ندى"
لم تكن الأجمل في القاعة، لكنها كانت الأكثر حضورًا.. شيءٌ في طريقتها، في ثقتها، في تلك الابتسامة التي لا تُفسر بسهولة، جعلها مختلفة.
جلست في الصف الأول، وأخرجت كراستها، ثم نظرت إليه مباشرة دون ارتباك.
بدأ الحصة كعادته يشرح مقامات الموسيقى .. عينيه خانتاه للحظة، فتوقفتا عندها أكثر مما ينبغي.
بعد انتهاء الدرس، اقتربت منه.
"لو سمحت يا دكتور… أنا مش فاهمة المقام ده كويس."
رفع رأسه ونظر إليها ببرود متعمد:
"أنا مش دكتور .. أنا أسمي أستاذ حازم "
ابتسمت بخفة:
"ماشي يا أستاذ حازم .. بس برضه مش فاهمة"
أخذ منها الكراسة وبدأ يشرح .. لكنها لم تكن تنظر إلى الكراسة .. كانت تنظر إليه.
لاحظها فتوقف فجأة:
"ركزي في اللي بشرحه"
ضحكت ضحكة خفيفة ثم رمت إليه بكلام يبدو أنها لم تقصد به مغازلته لكن ظاهره بالكاد غزل مبطن : "مركزة… بس حضرتك بتشرح بطريقة تخلي اي شخص يسمعك يبقى مركز في عنيك وشفايفك وهي بتنطق كل كلمة كأنها نغم مش مجرد شرح عادي .. قصدي في تعابير وشك وحضرتك بتشرح "
تجاهل الجملة، لكنه لم يستطع تجاهل أثرها.
بدأت ندى تتردد عليه كثيرًا.. أسئلة عن الدروس، ثم أسئلة عن الموسيقى، ثم أحاديث عابرة.. وفي كل مرة كان يحاول أن يضع بينهما مسافة.. لكنها لم تكن تعترف بالمسافات.
بعد أحد الدروس الطويلة، وجدت نفسها تتأمل الرجل الجالس أمامها أكثر مما تتأمل النغمات التي كان يشرحها.. كان هناك شيء غامض في هدوئه، وشيء أشد غموضًا في الحزن الذي يختبئ خلف ملامحه الصارمة.. حاولت الاقتراب من ذلك الجانب الذي يخفيه عن الجميع، فأشارت بكلمات قليلة إلى أنها تشعر بأنه يحمل جرحًا قديمًا.
بدا عليه الاستغراب .. فقد اعتاد أن يخفي آلامه بإتقان، ولم يكن يتوقع أن يلاحظها أحد.. لكنها كانت ترى ما وراء الصمت، وتدرك أن بعض الأوجاع لا تحتاج إلى اعتراف كي تُعرف.
للحظات طويلة ظل ينظر إليها محاولًا استيعاب كيف استطاعت قراءة شيء ظل يدفنه في أعماقه سنوات. دار بينهما حديث قصير عن الماضي والجراح التي يتركها بعض الأشخاص خلفهم، وحين انتهى الكلام أدركت ندى أن هناك قصة قديمة لم يشفَ منها بعد، وأن بعض الأخطاء لا يغادر ثمنها أصحابها مهما مرت السنوات.
أنهى الحديث بعدها وانصرف، غير مدرك أن ذلك الحديث القصير سيكون بداية شيء مختلف تمامًا، لكن ندى لم تتوقف عن الاقتراب منه.. كانت تجد دائمًا سببًا للبقاء بعد انتهاء الدرس، وسببًا لفتح حديث جديد، وسببًا آخر لتمضي بجواره وقتًا أطول.. شيئًا فشيئًا أصبحت جزءًا ثابتًا من أيامه؛ يراها في قاعة التدريب، ويسمع صوتها بين الطلاب، ويجدها حاضرة في تفاصيل صغيرة لم يكن يلتفت إليها من قبل.
حاول في البداية التعامل معها باعتبارها مجرد طالبة متحمسة للموسيقى، إلا أن الأمر لم يبقَ بهذه البساطة طويلًا. فمع كل لقاء كانت تزيح شيئًا من الجدار الذي بناه حول نفسه، ومع كل حديث كانت توقظ داخله مشاعر ظن منذ سنوات أنها انتهت إلى الأبد.
وفي إحدى الليالي الهادئة، جلس وحده أمام آلته الموسيقية يعزف لحنًا حزينًا كعادته.. كانت أصابعه تتحرك فوق المفاتيح تلقائيًا بينما شرد ذهنه بعيدًا.. وفجأة توقف في منتصف المقطوعة.
أدرك حينها أن ما يشغله لم يعد الموسيقى وحدها.
فبين النغمات المتناثرة كان هناك وجه يفرض حضوره عليه للمرة الأولى منذ سنوات.
وجه ندى.
تمتم لنفسه:
"لا .. مش هكرر الماضي "
لكن صوته لم يكن حاسمًا كما اعتاد.
وفي اليوم التالي، جاءت إليه وهي تحمل كوبين من القهوة.
وضعت واحدًا أمامه وقالت:
"أنا عارفة إنك بتشرب قهوة سادة."
نظر إليها بدهشة:
"إنتِ عرفتي منين؟"
ابتسمت:
"بلاحظ"
ثم جلست دون استئذان.
قال بصرامة :
"إنتِ كده بتتجاوزي حدودك"
أطلقت ضحكة قصيرة جعلت عينيها تضيقان في رقة، فتألقت ملامحها بحيوية آسرة..مالت برأسها قليلًا، وعلى شفتيها ابتسامة واثقة تحمل قدرًا من الدلال والمرح قائلة :
"وأنت حاطط حدود ليه أصلًا؟"
سكت، مقاومًا أثر تلك الابتسامة التي كانت كفيلة بخطف انتباه أي رجل .. أبقى ملامحه جامدة ونظرته ثابتة، مصممًا على ألا يُظهر لها ما أحدثته كلماتها في داخله .. ثم تبدلت نبرتها المشاكسة إلى هدوء صادق، واختفت من ملامحها الرغبة في التحدي أو المزاح.. بدا حديثها هذه المرة أكثر مباشرة وصدقًا، وكأنها كانت تكشف له ما يدور في قلبها دون تردد أو حسابات.
لم تكن تتحدث عن فارق العمر أو نظرات الآخرين أو التعقيدات التي شغلت تفكيره طويلًا.0 كان كل ما يصل إليه منها شعورًا بسيطًا وواضحًا بالراحة والطمأنينة في حضوره.
نظر إليها طويلًا.. وأدرك أنه يقف على حافة شيءٍ خطير .. شيءٍ قضى عمراً وهو يبتعد عنه كلما اقترب منه. لكن هذه المرة، لم يشعر بالرغبة في التراجع.
لم يكن الانزلاق مفاجئًا، بل كان بطيئًا… محسوبًا… كأنَ كل خطوة فيه كانت تُبرر قبل أن تُرتكب.
حازم، الذي قضى سنواتٍ يضع الجدران بينه وبين العالم، بدأ يفتح نافذة .. نافذة صغيرة في البداية، لكنها كانت كافية لدخول الضوء .. أو ربما الوهم.. لم يعد يرفض جلوسها، ولا أحاديثها، ولا حتى نظراتها التي أصبحت أكثر جرأة.
كان الشتاء قد بدأ يفرض حضوره مبكرًا ذلك العام، ومع عاصفة رعدية عنيفة اجتاحت المدينة منذ الصباح، خلت الشوارع من المارة وتغيب معظم الناس عن أعمالهم. ولم يبقَ في المعهد يومها سوى هما .. كانت تقف بجوار البيانو، تمرر أصابعها على المفاتيح دون نظام، تصدر نغمات متقطعة.
قال لها:
"اللي بتعمليه ده مش موسيقى… ده تشويش."
ضحكت:
"طب ما تعلمني "
اقترب، وقف خلفها، وأمسك بيديها ليضبط وضع أصابعها.. كانت اللحظة قصيرة .. لكنها كانت كافية.. سحب يده سريعًا، كأنه لمس نارًا.
قال بارتباك:
"ركزي .. الإصبع هنا .. مش كده"
لكنها لم تتحرك.
قالت بهدوء:
"إنت خايف مني؟"
-تجمد.
"أنا مش صغيرة .. أنا فاهمة أنا بعمل إيه"
رد بحدة:
" ويظهر أني أنا كمان ابتديت أفهم "
استدارت إليه، ونظرت في عينيه مباشرة:
"طب ليه بتبعد؟"
-صمت.
أقتربت من وجهه أكثر هامسة :
"ولا أنت بتكدب على نفسك؟"
ثم تركته وانصرفت ببطء .. وظل واقفًا مكانه مرتبكًا على نحوٍ لم يعتده، يحاول عبثًا أن يطرد كلماتها من رأسه .. لم تكن تلك اللحظة بداية حب .. بل بداية ارتباكٍ حاول مقاومته طويلًا.
بعد حديثهما، صار يتجنب النظر إليها أكثر من المعتاد، يختصر الشرح حين تكون موجودة، ويغادر القاعة سريعًا بعد انتهاء المحاضرات وكأن الهروب منها أسهل من مواجهة نفسه.
لكنه كان يفشل في كل مرة.
كانت تقترب بهدوئها المعتاد، تسأله أحيانًا عن مقطوعة موسيقية، أو تناقشه في كتاب ذكره عابرًا أثناء الشرح، ثم ترحل وكأنها لم تفعل شيئًا.. أما هو، فكان يظل مشغولًا بكلماتها لساعات.. ومع الوقت أصبحت الأحاديث بينهما أطول قليلًا .. ثم أكثر راحة.
مرة في ممر المعهد، ومرة عند المكتبة، وأخرى بالمصادفة أمام بوابة الخروج.. حتى جاء اليوم الذي وجدها تسير بجواره خارج المعهد دون تخطيط مسبق، يتحدثان في أشياء عادية للغاية ، ومع ذلك شعر بتوترٍ لم يشعر به منذ سنوات.. كان يدرك خطورة ما يحدث ولذلك، لم يكن يقترب منها حقًا .. لكنه لم يعد قادرًا على الابتعاد أيضًا.. وفي إحدى الأمسيات، جلسا في مقهى هادئ، يهربان من صخب الشارع بصمتٍ مريح.
كانت ندى تتحدث أكثر مما اعتادت، وهو يستمع أكثر مما ينبغي.
راقبته للحظات وهي تلاحظ ذلك الهدوء الثقيل الذي يلازمه دائمًا؛ هدوء رجلٍ تعلم أن يُخفي ما يشعر به خلف ملامح ثابتة وكلمات محسوبة.
"إنت عارف إنك مش زي ما بتحاول تبان؟"
توقفت أنامله للحظة فوق فنجان القهوة، ثم نظر إليها باستفهام صامت.. بينما ابتسمت ندى ابتسامة خفيفة، وكأنها وجدت أخيرًا ما كانت تبحث عنه.
"إنت تعبان... ومُرهق من التظاهر إنك بخير "
خرجت منه ضحكة قصيرة حملت شيئًا من السخرية والدفاع أكثر مما حملت من المرح.
"واضح إنك بقيتي خبيرة نفسية."
هزت كتفيها بخفة.
"الوجع بيبان حتى لو صاحبه حاول يخبيه "
تسلل الصمت بينهما من جديد .. لم يكن صمتًا مريحًا هذه المرة، بل ذلك النوع الذي يلمس أماكن قديمة يحاول أصحابها تجاهل وجودها.
ظل صامتًا للحظات قبل أن يقول بصوت خافت:
"مش كل الناس بتعرف تتعافى."
شعرت ندى أن الجملة خرجت منه دون قصد، وكأنها أفلتت من مكانٍ ظل مغلقًا لسنوات.. وترددت قليلًا قبل أن تسأله عن ذلك الماضي الذي ما زال يترك ظله على ملامحه كلما غاب انتباهه. لم يكن سؤالها بدافع الفضول، بل بدافع القلق الصادق على رجلٍ بدا لها أنه يحمل فوق كتفيه أكثر مما ينبغي.. لكن التغير الذي مر على وجهه كان كافيًا ليخبرها أنها اقتربت من منطقة لا يسمح لأحد بالاقتراب منها.
"الكلام في جرح الماضي كأنك بتضغطي على الجرح وبتصحي فيه الوجع من جديد .. بلاش ."
جاءت الجملة هادئة، لكنها حاسمة بصورة لا تقبل النقاش.
حاولت أن تخفف من وقع السؤال، موضحة أنها لا تريد إزعاجه، وأن الكلام أحيانًا يخفف بعض الأثقال.
إلا أنه هز رأسه ببطء.
"مش دايمًا "
لم يكن غاضبًا، ولم يكن يتهرب منها شخصيًا.. كان فقط يتحدث كإنسانٍ جرب ذلك الطريق من قبل، وعرف أنه لا يقوده إلا إلى أماكن لا يرغب في العودة إليها.
فهمت ندى ذلك فورًا.
لم تُلح، ولم تبحث عن سؤالٍ آخر يفتح الباب من جديد. اكتفت بابتسامة صغيرة تحمل كثيرًا من التفهم، ثم تركت الحديث ينساب نحو موضوعٍ آخر.
ظل الهدوء بينهما أخف مما كان قبل قليل، أقل توترًا، وتراجعت حدة الترقب بين الكلمات.. شعر براحة خافتة لا تأتي من الكلام، بل من توقفه في اللحظة المناسبة، ومن أنها لم تدفعه نحو ما لا يريد.
بقي صامتًا، يراقب امتداد اللحظة دون مقاومة، وبدأت المسافة بينهما تفقد شيئًا من جفافها السابق.. وظلت تنظر إليه بصمت، ترى خلف هدوئه ما يحاول إخفاءه، دون أن تحاول الاقتراب من تلك المناطق.. ارتسم على ملامحها تفهّم هادئ، مع قرار واضح بالاكتفاء بما هو ظاهر فقط وترك ما هو أعمق لوقته إن أراد هو أن يقترب.
ساد بينهما هدوء مختلف، أقل توترًا مما كان قبل قليل. لم يعد الحذر يسيطر على ملامحه بالكامل، وبدأ صمته يبدو أكثر استقرارًا لا دفاعًا.. هذا التغيّر البسيط جعل المسافة بينهما أقل حدة، وكأنها فقدت شيئًا من جفافها السابق دون أن تُلغى.
بقيت عيناها عليه لثوانٍ أطول من المعتاد، دون سؤال، دون محاولة لاختراق ما أغلقه .. وفي تلك اللحظة، بدا أن الصمت نفسه لم يعد يضغط كما كان، بل يسمح بمساحة صغيرة من القرب غير المعلن.. عندها فقط، وبحركة بطيئة لا تحمل قرارًا مفاجئًا بل نتيجة ما سبقها من هدوء، حركت يدها فوق الطاولة. لم يكن الأمر جرأة بقدر ما كان استجابة لذلك التراخي الخفيف في التوتر .. لامست أطراف أصابعه بخفة، إشارة لا تطلب تفسيرًا ولا تفرض معنى، لكنها قالت إنها ما زالت هنا، دون ضغط أو سؤال.
لم يبتعد.. ثبت مكانه لحظة أطول، يختبر إن كان هذا القرب حقيقيًا أم عابرًا، قبل أن يسمح له بأن يستقر دون مقاومة.
ظل ساكنًا لثوانٍ ، لكن ملامحه تغيرت بوضوح.. توقفت أنفاسه قليلًا، وانحسر ذلك الهدوء المتماسك الذي كان يحاول الحفاظ عليه.. التقت عينه بعينيها للحظة، فوجد في نظرتها دفئًا أربكه أكثر مما توقع، ولم يكن أمامه سوى أن يسحب يده ببطء، حركة محسوبة لم تُخفِ التوتر الذي تسلل إليه، ثم أشاح بنظره جانبًا وهو يعتدل في جلسته، محاولًا استعادة توازنه.
تلك اللمسة لم تكن مجرد تماس عابر، بل لحظة أعادت فتح باب قديم ظن أنه أغلقه جيدًا " باب القرب، والاحتياج، والخوف من أن يُترك أو يُكسر مرة أخرى " بينما هي فاكتفت بابتسامة صغيرة خفيفة، ثم حولت نظرها نحو الشارع، تمنحه مساحة لالتقاط أنفاسه دون أن تضغط عليه بما حدث.
لم يُعلق شيء ، لكن الصمت بينهما لم يعد كما كان من قبل .. صار أقل حدة، وأكثر حذرًا، وفيه إدراك خافت بدأ يتكون دون اتفاق أو إعلان.
ومنذ تلك الليلة، لم يبقَ الأمر كما كان بينهما تمامًا، حتى لو لم يظهر ذلك بشكل مباشر.
أصبح وجودها جزءًا من يومه دون أن ينتبه.
رسالة قصيرة منها في الصباح.
حديث عابر بعد المحاضرة.
نقاش طويل عن الموسيقى، ينتهي بصمتٍ مريح.
وكان كلما شعر أنه يقترب أكثر .. يعود خطوة للخلف.
يتذكر عمره .
مكانته .
وماضية المؤلم .
أما ندى، فلم تكن تضغط عليه.
كانت فقط … تبقى.
وذلك كان أخطر.
تعطلت سيارتها قرب المعهد، بينما كانت السماء تمطر بغزارة، والمكان شبه خالٍ إلا من صوت المطر وهو يضرب الزجاج بلا انقطاع .. أثناء مروره بسيارته في الطريق، لمح حازم ندى تقف بجانب سيارتها المتوقفة تحت المطر.. أبطأ قليلًا وهو يلاحظ الموقف، ثم أوقف سيارته على جانب الطريق خلفها مباشرة.. نزل من سيارته واقترب منها ، قبل أن يسود بينهما صمت قصير قطعه بهدوء:
"هي عملتها معاكي .. مش مشكله .. تعالي أوصلك "
لم يضغط، ولم يكررها، فقط ترك الجملة معلقة بين المطر والسكوت.
ترددت قليلا ، ثم اختارت أن تركب.
تحركت السيارة ببطء وسط المطر، والمياه تنساب على الزجاج فتشوه ملامح الشارع وتتركه أقرب إلى مشهد ضبابي ساكن ..داخل السيارة، كان الصمت حاضرًا بثقل واضح.. لم يكن هناك ما يقال، أو ربما كان هناك الكثير الذي لم يُقل بعد.. ظل ينظر للطريق في تركيز هادئ، بينما أصابعه على المقود تتحرك بحساب، كأنه يحاول إبقاء كل شيء تحت السيطرة، بما في ذلك أفكاره.
بعد دقائق من السير، أشار لها إلى عقار قديم في آخر الشارع :
"بالمناسبة… أنا ساكن هناك، العمارة القديمة اللي في آخر الشارع دي"
لم تكن الجملة بحاجة إلى شرح، لكنها خرجت كجزء من محاولته لكسر ذلك الصمت الذي بدأ يضغط على المسافة بينهما.
التفتت ندى نحو العقار ، ثم قالت ببساطة:
"طب ما نطلع نستنى فيها لحد ما المطر يخف"
نظر إليها سريعًا وكأن اقتراحها فاجأه.
"ندى !"
لم تبدُ عليها أي حيرة أو تردد، بل قالت بهدوءٍ واثق
"إحنا مش بنعمل حاجة غلط .. أنت أستاذي وأنا تلميذتك "
أشاح بنظره نحو الطريق، وبدا التردد واضحًا على ملامحه. لم يكن مرتاحًا لفكرة بقائه معها في الشقة وهما وحدهما؛ ليس خوفًا منها، بل من المشاعر التي بدأت تتحرك داخله رغم محاولاته المستمرة لإخمادها.. حاول أن يشرح لها أن الموقف قد يُفهم بصورة غير مناسبة، لكنها قابلت تحفظه بثقة هادئة، مؤكدة أن الظروف هي التي فرضت ذلك، وأنها تدرك جيدًا ما تفعله.. راقب المطر المنهمر للحظات، ثم ألقى نظرة أخيرة على الشارع الخالي قبل أن يرضخ للأمر الواقع. اكتفى بالتأكيد على أن وجودهما هناك لن يطول أكثر من اللازم، وأنهما سيغادران بمجرد أن تهدأ العاصفة.
بعدها اتجها معًا نحو العقار وصعدا إلى الشقة.
فتح الباب ودخلت ندى خلفه، ثم توقفت عند المدخل لثوانٍ قبل أن تتقدم إلى الداخل.. نظرت حولها ببطء، تلتقط تفاصيل المكان بصمت.. كتب موزعة على الطاولات والأرض، بعضها مفتوح في أماكنه كأنه لم يُلمس منذ فترة، ونوتات موسيقية مبعثرة فوق سطح خشبي قديم قرب النافذة.. الإضاءة خافتة، والستائر نصف مغلقة، والهواء ساكن بشكل لافت، كأن المكان لم يعتد الحركة إلا على فترات متباعدة.. تقدمت قليلًا داخل الصالة، ويدها تمر بخفة فوق ظهر الأريكة دون أن تجلس، بينما عيناها ما زالتا تتجولان بين الزوايا.. لم يكن الانطباع مجرد فراغ، بل شعور بأن الحياة هنا تميل إلى الهدوء أكثر مما تميل إلى الامتلاء.
وقف حازم خلفها للحظة، يراقب صمتها دون تعليق، ثم أغلق الباب بهدوء.
في الخارج، كان صوت المطر ما يزال يضرب النوافذ بقوة، يتخلله بين الحين والآخر ارتداد خافت للرعد، كأن العالم خارج الشقة لم يهدأ بعد.. وضع مفاتيحه وأغراضه على إحدى الطاولات دون أن يتكلم، ثم قال بنبرة هادئة وهو ينظر نحو المكان:
"المكان ده بقاله فترة محدش دخله."
التفتت إليه قليلًا وسألته بخفة:
"ولا حتى بواب العمارة؟"
هز رأسه وكأن السؤال بديهي بالنسبة له:
"مفيش هنا بواب أصلاً."
قالت بهدوء:
"واضح "
لم يرد، واكتفى بنظرة قصيرة نحو الأرض قبل أن يستند إلى ظهر الأريكة.
مرت لحظات من السكون، ثم قالت وهي تراقبه أكثر مما تراقب المكان:
"مش باين عليك إنك مرتاح مع نفسك "
ابتسم ابتسامة قصيرة بلا روح:
"الواحد بيتعود."
لم ترد مباشرة، لكنها لم ترفع نظرها عنه.
"يمكن لأنك واخد فكرة إن الوحدة أأمن من أي حاجة تانية."
تحركت بخطوات بطيئة داخل الصالة، تتفقد المكان بعينيها من جديد، وكأنها تحاول تفهمه من تفاصيله.
ثم التفتت نحوه ب وقالت:
"ممكن أشوف الشقة؟ .. عندي فضول اشوف أنت عايش أزاي "
آشار لها بالسماح .. فتجولت بين الغرف حتى توقفت عند باب غرفة نومه.. نظرت إليه باستئذان صامت، فأومأ برأسه.. دخلت الغرفة ببطء، تتأمل الكتب المكدسة فوق الكومودينو والستائر نصف المغلقة.
"حتى أوضة نومك شبهك..هادية زيادة عن اللزوم."
وقف عند الباب يراقبها دون رد.
فجأة توقفت عيناها عند جرامافون قديم موضوع فوق خزانة جانبية، وإلى جواره مجموعة من الأسطوانات المرتبة بعناية.. اتسعت ابتسامتها بدهشة حقيقية.
"يا نهار أبيض ... ده شغال كمان؟"
اقتربت منه بحماس طفولي، وأخذت تتفحص الأسطوانات الواحدة تلو الأخرى.
" سيد درويش .. صالح عبدالحي .. عبده الحامولي .. وغيرهم من المطربين القدامى "
ثم سحبت واحدة وتوقفت.
"محمد عبد الوهاب؟"
قرأت العنوان بصوت خافت:
"جفنه علم الغزل "
رفعت الأسطوانة أمامه بابتسامة منتصرة:
"لقيت اختيار الليلة "
وقبل أن يعترض، كانت قد وضعتها في مكانها وأدارت الجهاز.. فانساب صوت الموسيقى الدافئ في أرجاء الغرفة.. بينما في الخارج، استمر المطر في الهطول فوق النوافذ، يتخلله أحيانًا دوي بعيد للرعد.. أما في الداخل، فامتزج صوت عبد الوهاب بصوت المطر، فامتلأت الغرفة بحضور مختلف ، حضور لم تصنعه الكلمات، بل الذكريات التي تحملها الموسيقى.
بقي حازم واقفًا عند الباب للحظة، ثم تحرك إلى الداخل ببطء، بينما كانت ندى تستمع للأغنية وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة راضية، كأنها اكتشفت للتو بابًا صغيرًا إلى عالمه الذي ظل مغلقًا طويلًا.
استدارت نحوه فوجدته أقرب مما توقعت.. تلاقت نظراتهما طويلًا .. طويلًا إلى الحد الذي جعل الصمت بينهما أكثر وضوحًا من أي حديث.. بقيت ندى مكانها تنظر إليه بعينين هادئتين .. بينما كان هو يخوض معركة صامتة مع نفسه.
معركة خسرها أخيرًا.
تراجع العقل خطوة وتقدمت المشاعر إلى الواجهة.. و في لحظة واحدة سقطت كل المبررات التي ظل يختبئ خلفها " فارق العمر، الخوف، ذكريات الماضي، وحتى ذلك الحذر الذي تمسك به لأشهر من علاقتهما " .. جلس إلى جوارها على حافة السرير .. كانت المسافة بينهما تتلاشى ببطء حتى اختفت تمامًا.. ندى بدت هادئة على غير عادتها، تراقبه بصمت وتترك اللحظة تمضي كما تشاء.. مرت دقائق قصيرة بدت أطول من عمر كامل.. دقائق نسي خلالها حازم وحدته الطويلة وخساراته القديمة وكل ما كان يعتقد أنه يحميه من السقوط.. امتدت تلك اللحظة بينهما أكثر مما ينبغي.. احتواها بين ذراعيه بشغفٍ مكتوم، وتوالت قبلاته المرتبكة كاعتراف متأخر بكل ما عجز عن قوله، بينما اكتفت ندى بالنظر إليه في صمت، مستسلمة لصدق المشاعر التي ظهرت أخيرًا على وجهه.. تاه في قربها، وانسحب منه التفكير تمامًا، حتى فقد إحساسه بالوقت وبما حوله، كأنه لم يعد قادرًا على التمييز بين ما يريده وما يحدث فعلًا.. قبلها من جبينها برقه ثم رمقها في عينيها بنظرة حنونة تحولت إلى نظرة تنُم عن شهوة ، فقبلة الجبين تبدلت إلى قبلة حميمية من شفتيها المكتظه .. ظل يتوالى عليها بالقبلات الحارة كالرجل الذي تاه في الصحراء لأيام دون طعاما او شراب وأخيراً وجد ألذ الطعام أمامه فجأة .. وجد ضالته .. أخيراً .. سيرتوي جوعه وعطشه مما حُرم منه طيلة حياته .. والغريب أن ندى مستسلمة له .. لا تمانع .. ولا تعترضه .. بل تبادله الأحضان بنفس حرارته وشغفه .. كاد أن ينال منها وتحدث بينهما علاقة حميمية مُحرمه .
ثم...
ضربه الوعي فجأة.
تصلب جسده للحظة وكأن حقيقة ما يفعله وصلت إليه متأخرة .. نهض من مكانه بسرعة وابتعد عدة خطوات وهو يحاول استعادة أنفاسه المضطربة.. مرر كفه فوق وجهه ليستفيق .. أما ندى فظلت مستلقية حيث هي تتابعه بعينيها دون أن تنطق بكلمة.
وأخيرًا قال بصوت خافت ومتعب:
"إحنا... إحنا مينفعش نكمل بالشكل ده .. أنا كنت هأذيكي .. وأذي نفسي "
عاد الصمت من جديد.. ثم استدار وغادر الغرفة متجهًا إلى الصالة تاركًا خلفه ارتباكًا أثقل من صوت المطر نفسه.. خرجت ندى لتتبعه وهي تهندم ملابسها بهدوء فوجدته واقفًا أمام النافذة يراقب المطر.
التفتت إليه وقالت:
"لسه شايف إن اللي بينا مينفعش؟"
أجاب دون أن ينظر إليها بحسم :
"طبعاً "
"علشان فرق السن؟"
رد بانفعال أكبر مما أراد:
"علشان كل حاجة"
اقتربت منه خطوة صغيرة:
"ولا علشان خايف تحب تاني؟"
ارتبك حازم ولم يجد إجابة جاهزة يختبئ خلفها.
ثم همست:
"أنا بحبك يا حازم.. ولولا أني بحبك ماكنتش سمحت لك أنك تلمسني .. فاهمني ؟ "
أغمض عينيه للحظة .. يحاول مقاومة شيء يعرف مسبقًا أنه سيهزمه وعندما نظر إليها مجددًا كان أضعف من أن يبتعد .. ساد بينهما صمت قصير، لم يقطعه سوى صوت قطرات الماء الأخيرة وهي تنزلق من حافة الشرفة .. التفتت نحو النافذة فلاحظت أن المطر قد توقف أخيرًا.. ابتسمت ابتسامة خافتة وهي تلتقط حقيبتها.
"يظهر أن المطرة بطلت "
لم يجبها.. اكتفى بمراقبتها وهي تتجه نحو الباب بخطوات هادئة.. فتحت الباب واستدارت إليه للحظة وكأنها تنتظر منه شيئًا، لكنه ظل واقفًا مكانه..خرجت إلى الممر وما إن ابتعدت بضع خطوات حتى سمعته يناديها:
"استني"
التفتت إليه .. بينما اقترب منها وقال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
"أوصلك"
نظرت إليه لثوانٍ طويلة ثم هزت رأسها بابتسامة صغيرة وقالت:
"حاسة إني عايزة أتمشى شوية لوحدي "
تعلقت عيناه بعينيها وكأنه يريد أن يقول الكثير ولا يعرف من أين يبدأ.. فاستدارت ندى ومضت ببطء تحت شوارع ما زالت تلمع من أثر المطر، تاركة خلفها رجلاً أدرك متأخرًا أن بعض الأشخاص لا يقتحمون حياتنا فجأة ، بل يتسللون إلى قلوبنا بصمت.. ومنذ تلك الليلة لم يعد شيء كما كان.
بدأ ينتظر حضورها بشكلٍ مؤلم.
يتفقد هاتفه بلا وعي.
يشتاق لصوتها.
لضحكتها.
للإحساس المؤقت بأنه لم يعد وحيدًا.
أما هي، فكانت تمنحه ما احتاجه بالضبط
اهتمامًا دافئًا، واحتواءً افتقده طويلًا.
لكن وسط كل ذلك، كانت هناك تفاصيل صغيرة تقلقه.
مكالمات تنهيها بسرعة حين يقترب.
شرود مفاجئ أثناء الحديث.
اختفاءات غير مبررة.
وحين يسألها، كانت تبتسم فقط وتبرر بحجج واهية
وكان يصدقها
لأنه أراد أن يصدقها.
إلى أن جاء المساء الذي مر فيه صدفة قرب المعهد بعد انتهاء يومه.
وهناك رآها.
ندى
تقف مع شاب في عمرها تقريبًا.. كانا يضحكان بألفة واضحة.
توقف مكانه دون وعي.
أقنع نفسه فورًا:
"يمكن قريبها "
ظل يراقب من بعيد، حتى رآها تمسك بيده بعفوية.. نفس العفوية التي كانت تلمس بها يده.. في تلك اللحظة، شعر بشيء ينهار داخله بصمت.. ليس لأنه أحب فقط .. بل لأنه سمح لنفسه أخيرًا أن يثق.
وفي اليوم التالي، دخلت عليه كعادتها كضيفه في شقته ، مبتسمة:
"وحشتني"
استقبلها ببرود لم تعتده منه.. كانت ملامحه هادئة أكثر من اللازم، وذلك النوع من الهدوء الذي يسبق العاصفة لا الذي يتبعها.. دخلت وهي تحاول أن تبدو طبيعية، ثم اتجهت نحو الأريكة القريبة من الباب.. وضعت حقيبتها ومفاتيحها وهاتفها فوق الطاولة المجاورة، وقبل أن تجلس وصلها صوته:
"مين كان معاكي امبارح؟"
تجمدت حركتها للحظة.. لم تكن بحاجة إلى سؤاله عمن يقصد، فقد أدركت فورًا أنه يتحدث عن الشاب الذي رآها معه أمام المعهد.. حاولت في البداية التعامل مع الأمر ببساطة، وأخبرته أنه مجرد شخص تعرفه منذ سنوات، لكن تفسيرها المختصر لم يكن كافيًا لإزالة ما استقر في ذهنه.. واصل استفساره بهدوءٍ بدا أكثر إزعاجًا من الغضب نفسه، وكأنه يبحث عن إجابة كاملة لا عن كلمات عابرة .. ومع كل سؤال كان التوتر يزداد وضوحًا عليها، بينما بقي هو محتفظًا بذلك السكون الثقيل الذي جعل الموقف أكثر صعوبة.
شعرت بانقباض في صدرها وهي تدرك أن الأمر تجاوز حدود الفضول العادي.. لم يكن يسأل لمجرد المعرفة، ولم تكن نظرته توحي بأنه سيكتفي بإجابة مقتضبة.. وبعد لحظات بدت أطول مما هي عليه، رفعت عينيها إليه أخيرًا محاولة أن تجد الكلمات المناسبة لشرح ما حدث.
لكنها توقفت قبل أن تكمل.. لا تعرف من أين تبدأ.. ظل ينظر إليها بصمت، ثم قال بهدوء أربكها أكثر من الغضب:
"في حاجة أنا مش عارفها؟"
عندها فقط أدركت أن اللحظة التي ظلت تؤجلها طويلًا قد وصلت أخيرًا.
نظرت إليه للحظات، ثم قالت:
"إنت حاجة مختلفة."
هز رأسه ببطء وكأنه فهم متأخرًا.
ثم قال بابتسامة موجوعة:
"يعني أنا مش الوحيد"
ولم تُجب.
وكان صمتها أقسى من أي اعتراف.
الصمت الذي تبِع اعترافها لم يكن صمتًا عابرًا .. كان أشبه بسقوط بطيء في فراغٍ بلا نهاية.
حازم لم ينفعل.. لم يرفع صوته.. فقط ثبت نظره عليها طويلًا، كأنه يحاول أن يعيد ترتيب ملامحها داخل ذاكرته من جديد.
قال أخيرًا بصوت منخفض:
"من إمتى؟"
ترددت لحظة ثم أجابت:
"قبل ما أعرفك"
أغمض عينيه ببطء كأنه يحاول أن يضغط الزمن للخلف.
"ولسه؟"
-لم ترد.. لكن الصمت كان أوضح من أي إجابة.
ابتسامة بلا روح، عبرت وجهه قبل أن تختفي.. تقدم خطوة وصوته صار أكثر حدة:
"وأنا كنت إيه في حدوتك ؟"
لم تجب مباشرة.. نظرت إليه فقط .. نظرة مشوشة لا تُمسك لها معنى واحد.
"أنا حبيتك "
قاطعها فورًا:
"ما تنطقيش الجملة دي "
سكتت ثم قالت بصوت أخف:
"أنا اتعلقت بيك… بجد "
هز رأسه ببطء:
"بس مش لدرجة تسيبي اللي قبلي، صح؟"
لم ترد.
قال فجأة، وكأنه التقط خيطًا خفيًا:
"فيه حاجة تانية؟ "
نظرة إليه في ربكة .. بينما اقترب منها أكثر :
"قولي الحقيقة"
ارتجف صوتها وهي تنطق:
"أنا… حامل."
تصمر حازم في مكانه .. لم تصل الكلمة إليه فورًا… احتاجت لحظة حتى تستقر في مكانها الصحيح.
"إيه؟! "
"حامل ! "
"مني؟! "
نظرت إليه ببطىء وتردد وفي صوتها انكسار واضح:
"وإنت كنت لمستني علشان يبقى منك ! "
مرت تلك اللحظة كوميض .. لحظة لم تكتمل .. خفض عينيه ببطء.. بينما ندى تنفست بصعوبة وقالت:
"ده حصل قبل ما أعرفك… قبل ما أدخل حياتك أصلًا."
لم يشعر حازم بالغضب… بل بشيءٍ أبرد… أشد قسوة.. جلس ببطء على الكرسي، كأن جسده لم يعد يحتمل الوقوف.. مرر يده على وجهه، ثم ضحك… لكن ضحكته كانت أقرب للبكاء.. كان الصمت في الغرفة قد أخذ شكلاً أثقل من المعتاد، كأنه امتد بينهما ليملأ كل فراغ ممكن.
لم تكن ندى تتحرك كثيرًا، فقط تقف في موضعها، ملامحها مرهقة، وعيناها تحملان ارتباكًا لم يعد يمكن إخفاؤه.. أما حازم، فكان ثابتًا في مكانه، ينظر إليها دون تعبير واضح، لكن خلف تلك السكون الظاهري كان هناك اضطراب يتكون ببطء.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يتكلم أخيرًا.
"جاية تبرري مصيبتك !"
نظرت إليه بنظرة محتجه لتبرر موقفها :
"أنا مش جاية أبرر حاجة… أنا بقول اللي حصل."
ابتسامة خالية من الدفء ظهرت على وجهه ثم اختفت.
"اللي حصل! "
وقف واقترب خطوة واحدة، وصوته بدأ يكتسب حدة تدريجية:
"وامتا كنتِ ناوية تقولي؟"
ظلت صامتة للحظة، تحاول أن تجد الكلمات المناسبة، لكنها لم تجد.
"كنتِ مستنية إيه بالضبط؟"
-انخفض بصرها قليلًا.
"كنت خايفة."
-ضحك بمرارة.
"خايفة مني؟"
-هزت رأسها ببطء " لا " .
"خايفة من اللحظة دي."
-اشتدت ملامحه.
"والحقيقة؟ كنتِ ناوية تفضلي مخبياها لحد إمتى؟"
-أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتكلم.
"أنا عارفة إني غلطت .. وعارفة إنك دلوقتي شايفني بشكل فظيع ومقرف "
-توقفت لحظة تجمع شجاعتها.
"بس اللي إنت شوفته ماكانش زي ما أنت متخيل "
-لم يرد.
-فأكملت بصوت أكثر هدوءًا:
"هو جزء من مشكلة بحاول أواجهها من فترة .. مشكلة كنت كل يوم بصحى وأقول لنفسي إني لازم أتكلم عنها، وكل يوم بخاف أكتر "
-قبض على فكه دون أن يقاطعها.
"أنا ما قربتش منك علشان أهرب من حاجة... وما دخلتش حياتك علشان تدفع تمن أخطاء غيرك"
-ارتجف صوتها قليلًا وهي تكمل:
"الحقيقة إنك جيت في وقت ماكنتش مستنية فيه حد أصلًا."
-رفعت عينيها إليه أخيرًا.
"بعد ما مات بابا، اتعودت أواجه كل حاجة لوحدي .. وأمي كانت مشغولة بعالم تاني .. شغلها .. مكانتها ومركزها الأجتماعي .. والترقيات .. طول عمرها.. مش شايفها غير مستقبلها هي وبس .. ماكنش عندي حد أرجع له لما أخاف أو أتلخبط أو أقع."
-سكتت لحظة قصيرة، ثم أضافت:
"أول مرة أحس إن في شخص ممكن أسمع كلامه وأثق فيه وأرتاح له .. يجوز لأنك بتفكرني بابابا الله يرحمه أو لأنك كبير وناضج عن شباب الأيام دي .. مش عارفه ! .. بس اللي عرفاه أني أتعلقت بيك وأنا عارفه ومتأكده أنه ماينفعش .. وعارفه ومتأكده أنه من المستحيل نكمل .. بس كنت محتاجه .. محتاجه طبطبه .. كلمة حلوه يمكن .. حد مسؤل عني يجوز .. فترة قصيرة عشتها معاك بس والله كانت احلى فترة في حياتي كلها .. وآهي .. أنتهت .. عشان كده كل ما كنت أحاول أقولك الحقيقة... كنت بخاف"
-عقد حاجبيه.
"تخافي من إيه؟"
ابتسمت ابتسامة باهتة مؤلمة.
"من إني أخسرك "
استقرت الكلمات بينهما ثقيلة وصريحة أكثر من أي شيء قيل منذ بداية المواجهة.. لم يعلق فورًا، لكن نظرته تغيرت، كأن الجملة الأخيرة لم تمر مرورًا عاديًا داخله.. قبل أن يرد، قطع الصمت صوت هاتفها .
رن الهاتف الموجود على المنضدة .
توجهت ندى نحوه ، لكن حازم كان الأسرع .. ظن أنه هو تلك الشاب التي هي علاقة به ، أمسك الهاتف قبل أن تصل إليه.
نظر إلى الشاشة وقد توقف الزمن للحظة.
اسم المتصلة ظاهرا بوضوح " ماما " وبجانبه صورة لامرأة.
لم يتكلم.. لكن ملامحه بدأت تتبدل تدريجيًا، من الارتباك إلى شيء أعمق، أشبه بعدم التصديق.
أعاد النظر إلى الصورة مرة أخرى، ببطء أشد هذه المرة.
كان يعرف هذا الوجه.
ليس غريبًا عليه.
هذه امرأة من ماضيه، طبيبة كانت جزءًا من حياته يومًا ما، ثم اختارت طريقًا آخر، طريق المكانة والاستقرار الاجتماعي، وتركته خلفها دون التفات.
رفع عينيه ببطء شديد نحو ندى.
ثم عاد ينظر إلى الشاشة مرة أخرى.
الصورة… الملامح… التفاصيل الصغيرة.
كل شيء بدأ يتجمع في ذهنه بشكل صادم.
نظر إلى ندى محاولًا أن يخفي ارتباكه خلف هدوءٍ متماسك، ثم سأل بصوت منخفض:
"اسم أمك إيه؟"
رفعت حاجبيها باستغراب وكأن السؤال خرج عن سياق أي منطق:
"ليه بتسأل؟! "
أعاد السؤال لكن بصيغة أكثر تحديدًا، وصوته أقل ارتباكًا وأكثر تركيزًا:
"اسمها أفنان؟"
ازدادت حيرتها، ونظرت إليه بتوجس:
"أيوه… أفنان"
اقترب خطوة صغيرة، وكأن الاسم بدأ يثبت في ذهنه بشكل لا يمكن تجاهله، ثم قال ببطء:
"الدكتورة .. أفنان عبد الحميد؟"
في تلك اللحظة اتسعت عيناها فجأة، وكأن الاسم نفسه أيقظ فيها سؤالًا أكبر من الموقف كله.
"إنت… تعرفها؟! " أنت تعرف أمي ؟! "
انعقدت ملامحه، واستقرت عيناه في نقطة بعيدة للحظات، كأن الاسم انتزعه من الحاضر وألقاه في مكان آخر.
أفنان
الاسم الذي لم يسمعه منذ سنوات طويلة.
الاسم المرتبط بمرحلة ظن أنه أغلق أبوابها إلى الأبد.
كانت حبه الأول والجرح الذي لم يلتئم تمامًا.
المرأة التي اختارت في النهاية حياة أخرى ، أكثر بريقًا، وأكثر وجاهة، وتركت خلفها رجلًا لم يكن يملك وقتها سوى أحلامه.
مرت الذكريات أمامه في لحظة خاطفة، لكنها كانت كافية لتوقظ ألمًا قديمًا ظن أن الزمن أنهكه حتى مات.
أما الآن، فقد عاد دفعة واحدة.
عاد مع الاسم.
وعاد مع الحقيقة التي تقف أمامه.
ندى
ابنة أفنان
مفارقة قاسية لم يكن يتخيلها يومًا؛ فبعد كل تلك السنوات، وجد نفسه يواجه الوجع نفسه بوجهٍ آخر، وكأن القدر أعاد إليه صفحة ظن أنه طواها إلى الأبد.. شعر أن الزمن يدور في دائرة مغلقة، وأن أثر أفنان لم يغادر حياته تمامًا كما كان يتوهم، بل عاد إليه من حيث لم يتوقع، حاملًا معه الأسئلة نفسها، والحيرة نفسها، والألم الذي ظل ساكنًا في الأعماق كل تلك السنين.
تمت .....
