خالد عاشور يكتب : زوجةرجل مهم .. القتل بالتجاهل
إذا أردت أن تقتل أنثى، فاجعلها تتجاهل أنوثتها، وتنسى أنها أنثى. وحين تنسى المرأة كونها أنثى، تموت ببطء.
في السينما والمسرح، هناك مادتان أراهما من أهم مواد الدراسة، وهما: السينوغرافيا والسيميولوجيا. الأولى تهتم بالديكور، ومكان التصوير، والإكسسوار، والملابس، والإضاءة، والألوان، وشرح المكان والزمان والحدث دون الحاجة إلى الحوار، فقط من خلال الصورة وما تحمله من لغة بصرية.
أما العلم الثاني فهو السيميولوجيا، وهو علم الدلالات والرموز والإسقاطات؛ إذ يقرأ كل ما يظهر داخل الصورة والكادر من الناحية السيكولوجية، حتى لو كانت الصورة للمكان ذاته، فالمكان أيضًا يمتلك روحًا كما البشر.
في فيلم للمخرج العبقري محمد خان، وبطولة العظيم أحمد زكي، الذي يقدم شخصية ضابط المباحث السيكوباتي، بينما تجسد ميرفت أمين الزوجة المقهورة، نجد أنفسنا أمام درس سينمائي بالغ الثراء في السينوغرافيا والسيميولوجيا.
منذ بداية الفيلم، يركز محمد خان على شخصية منى، وتحولاتها النفسية من خلال السينوغرافيا؛ الإكسسوار، والملابس، والألوان، وتكوين الصورة، ثم يضاعف من قوة الإسقاطات السيميولوجية، بحيث يصبح لكل شيء داخل الكادر معنى ودلالة.
في بداية التعارف بينها وبين الضابط العقيد هشام أبو الوفا، يوضح المخرج أنوثتها الطاغية. فهي أشبه بوردة ندية، قوية الألوان والحضور. الإكسسوار عبارة عن حلق على هيئة فراشة، ووجهها خالٍ من الزغب، وتصفيفة شعرها بسيطة، لكنها شديدة الجمال، لأنها امرأة تهتم بنفسها وتدرك قيمة أنوثتها.
وفي صباحية الزواج، لا تزال أنوثتها واضحة من خلال لقطة Close-Up لكعب قدمها الأحمر، الممتلئ بالحيوية والنعومة، في إشارة إلى عنفوان أنوثتها. قدم طرية، ناعمة، لم تُجهد بعد، لتصبح إسقاطًا على نضارتها وقوة حضورها الأنثوي، وبكارة جسد لم تستهلكه الحياة بعد، وليس المقصود هنا البكارة بوصفها عضوًا جنسيًا، بل بوصفها حالة جسدية ونفسية. والفرق كبير؛ فقد تحتفظ المرأة ببكارتها، بينما يكون جسدها قد شاخ واستهلكه الزمن والإهمال، دون أن يمسه أحد.
وفي لقطة أخرى، تحتل الزوجة ميرفت أمين السرير بالكامل، نائمة بشكل عرضي لا طولي، وكأنها بداية الهجران والتجاهل من الزوج، الذي يقف أمامها عاريًا، كطاووس ينشغل بتهذيب شاربه، الذي يبدو كقرني ثور.
هنا يقوم محمد خان بعمل Cut على الزوج السيكوباتي، ثم Cut آخر على الزوجة وهي تتقلب في السرير بحثًا عنه، بينما يرصدها هو من خلال كعبها الندي، الذي يعد أحد أهم المؤشرات السيكولوجية على اهتمام المرأة بنفسها ونضارتها.
ويكمل المشهد وهي تتمرغ في السرير بحثًا عن زوجها، ولا تزال وردة ندية، طازجة، ممتلئة بالأنوثة، بينما يقف الزوج عاريًا يتأمل فريسته، وقد تعمد المخرج إظهار شعر الإبط والصدر بكثافة، في إسقاط على خشونته، وإهماله لنظافته الشخصية، وإصراره على استعراض ذكورته بصورة بدائية.
حتى عندما يقبلها قبل انصرافه، لا تبدو القبلة قبلة رجل يعشق امرأة، بقدر ما تبدو وكأنه يعضها بشفتيه، في إسقاط شهواني يكشف طبيعته العدوانية. ثم يتركها، ويشغل أغنية «صافيني مرة» لمطربه المفضل عبد الحليم حافظ، واضعًا شريط كاسيت من ماركة Jonan، وكأنها استدعاء رمزي لحالة الجنون التي ستتجلى لاحقًا في مسار الشخصية.
بعد الزواج، تبدأ كاميرا محمد خان في تقديم لقطات (Close-Up) لوجهها ولإكسسواراتها. فتتحول الفراشات التي كانت تتزين بها في الحلق إلى دوائر وقلوب صغيرة، وأحيانًا تختفي الإكسسوارات تمامًا. كما يبدو الشعر والحواجب والوجه أكثر إهمالًا، ويظهر الزغب الذي لم تعد تهتم بإزالته، لأنها لم تعد تشعر بأنوثتها نتيجة التجاهل المتعمد من الزوج.
تمتلك جميع الحشرات زوائد حسية أو Antennae تستشعر بها الروائح المحيطة، كما يغطي أجسامها عدد هائل من الشعيرات الحسية الدقيقة Sensilla، المسؤولة عن استشعار الحرارة والرطوبة والإشارات الكيميائية الصادرة من البيئة المحيطة. وإذا فقدت الحشرة هذه الزوائد نتيجة التعرض لعوامل بيئية معينة، فإن قدرتها على الاستجابة للمؤثرات المحيطة تتأثر بصورة كبيرة، وقد ينعكس ذلك على سلوكها، بما في ذلك سلوكها التناسلي، كما قد تفقد شهيتها ونشاطها وتنعزل تدريجيًا حتى تموت.
والإنسان أيضًا يمتلك مجالًا كهربائيًا ناتجًا عن نشاطه العصبي والقلب، كما يمكن قياس المجال المغناطيسي الضعيف الناتج عن هذا النشاط. وحين يحدث الانسجام بين شخصين، تنشأ الألفة والمودة، بينما يؤدي التنافر النفسي إلى البرود والتجاهل. ولعل هذا ما يذكرنا بقول النبي ﷺ: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».
يبقى «زوجة رجل مهم» واحدًا من الأفلام التي أعتبرها دراسة نفسية عميقة في سيكولوجية التجاهل، وكيف يمكن لهذا التجاهل أن يقتل الإنسان وهو لا يزال على قيد الحياة.
خالد عاشور


0 تعليقات