رحلة في البحث عن المعنى الأول للتصوف
تعيد «الشمس اليوم» نشر هذه المقالة للكاتب والسيناريست عبدالرحيم كمال، والتي يطرح فيها سؤالًا قديمًا متجددًا: ما هو التصوف؟، في رحلة فكرية وتأملية تبحث عن جذور هذا المنهج الروحي بعيدًا عن الأحكام المسبقة وروايات الخصوم والأتباع.
ويستعرض كمال بدايات التصوف بين الزهد وأهل الصفة، محاولًا الاقتراب من معناه الأول، قبل أن تتشعب مدارسه وتتعدد تعريفاته، مقدمًا رؤية تفتح باب التأمل والحوار حول واحدة من أكثر القضايا الفكرية والروحية إثارة للاهتمام.
أسأل نفسي كثيرًا: ما هو التصوف؟.. ما هو التعريف الشافي الوافي الدقيق الذي يعتمده قلبي حول هذا المنهج في السلوك، بعيدًا عن ما وصفه به أعداؤه على مر التاريخ، وبعيدًا عن ما وصفه المنتمون إليه؟ وحتى نصل إلى ذلك التعريف، لا بد لنا أن نُجذِّر لذلك السلوك الإنساني المتفرد، ونعرف أصله قبل أن نتوه في فروعه المتعددة.
تقول الكتب المدرسية للطلبة إن التصوف ظهر في القرن الرابع الهجري، في أوج الخلافة العباسية، وتعزو ظهوره كرد فعل طبيعي للبذخ الرهيب الذي شهدته الخلافة، فظهر الزهّاد والعبّاد، من يلبسون الخرق، ويتحدثون بلغة خاصة، ويعيشون على الكفاف، وتُنسب إليهم الخوارق والكرامات، وتختلف مشاربهم، فمنهم (الجنيد) الصوفي العالم المجتهد، ومنهم (الحلاج) الذي تقوده كلماته إلى الصلب؛ لأنها تُقلق وتُرهق الأرواح الراكدة. ولا أظن أن هذا التجذير تجذيرًا دقيقًا، لكنه يبدو تفسيرًا بسيطًا يُقنع العقول البسيطة.
وهناك من يرى أن التصوف سبق ذلك العهد، وظهر مع ظهور الصحابة الكرام، وأن بعض الصحابة، مثل (أهل الصفة)، كان لهم منهجهم الخاص، فلا يسألون الناس شيئًا، حتى لو وقع سواك أحدهم من يده وهو راكب فوق جمل أو فرس، يُنيخ الجمل أو يقفز من فوق الفرس، وينحني ويلتقط سواكه دون أن يطلب ذلك من أحد. يعيشون على الكفاف، ويُفرغون جُلَّ وقتهم لذكر الله والتفكر في آياته. وكان منهم (بلال)، و(حذيفة بن اليمان)، و(سلمان الفارسي)، و(أبو هريرة)، وغيرهم.
وكانوا أصحاب مشرب في الفهم خاص بهم، فيقول (أبو هريرة) حول ذلك المشرب: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم". وكأن الوعاء الثاني معروف لدى الجميع أنه لن يكون مقبولًا في فهمه من ذوي القلوب المحدودة والعقول الجامدة، العقول التي ترى الأمر مسألة حسابية واضحة محددة، وأفعالًا وأوامر لا خروج عنها، ويرسمون رسمًا لعلاقة العبد بربه، لا خروج أبدًا عن هندسته.
وهذا التجذير الذي ينسب التصوف إلى عصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مقبول أيضًا، لكنني أعتقد أن التصوف أمر إنساني بشري سابق على ذلك أيضًا، فهناك تصوف في المسيحية موجود ومدون، وكذلك في اليهودية، ويمتد إلى خارج الديانات الإبراهيمية، يتجلى في (البوذية) وفي تعاليم (كونفوشيوس)، وفي كل إنسان كان بينه وبين الله خصوصية وسر، وكأن التصوف هو سلوك روحي مرتبط بالإنسان منذ وجوده على الأرض.
هناك منهجان للتعامل مع الله، منهج من يقيس ويعقل ويُهندس تلك العلاقة، ومنهج من يتلقى ويتفاعل ويُرسل ويستقبل. هناك إبليس الذي قاس الأمر بالمنطق السليم (ظاهريًا)، وقال: أنا خير منه، خلقته من طين وخلقتني من نار. وهناك آدم الذي يعصي ثم يتلقى كلمات من الخالق ليتوب عليه في النهاية. وهناك ابنا آدم، الذي يقدم أحدهما لربه قربانًا، ويقدم الثاني قربانًا مثله، فيقبل الله من أحدهما ويرفض قربان الثاني، لأن الأمر ليس في القربان، ولكنه في القلب الذي قدم هذا القربان لله، القلب السليم الطيب الذي لن يتحمله قلب أخيه، فقتله ثم ندم.
الأمر هنا أن هناك بين الله وبين الأخ الذي قتله أخاه سرًا جميلًا، سرًا ممتدًا وساريًا بينهما، ذلك السر حُرم منه الأخ الثاني، رغم أن كليهما ابنا آدم. تلك هي المشكلة الكبرى للتصوف، أن أعداءه يرون بالمنطق والعقل أنهم مخالفون لما يعتقدون هم أنه الشرع والشريعة، فيتهمونهم بأنهم قبوريون، وأنهم يدعون الكرامات والخوارق، ناسين أو متجاهلين، أو ربما جاهلين، أن الله لم يخلق أحدًا منا يُشبه الآخر، فكيف يكون الجميع يسلكون في تعبدهم لله نفس المسلك، وبنفس الآلية، وبنفس الشعور والفهم والتأويل؟.
التصوف، إذا أردنا تعريفه تعريفًا دقيقًا، سيكون الأمر صعبًا. تستطيع أن تقول إنه السلوك إلى الله عبر المحبة وتهذيب النفس، وتستطيع أن تختصره في جهاد النفس الذي أسماه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الجهاد الأكبر، لكني أرتاح إلى تعريف قرآني جميل، وأرى أن التصوف هو إتيان الله بقلب سليم. ليس الأمر بجبال الحسنات، ولا بكثرة العبادة، ولا هو بترك الدنيا، لكنه القلب السليم وحده القادر على الوصول إلى الله، وذلك غاية كل إنسان نفخ الله روحه المقدسة في طينه، فكان صورة لتجلي الخالق على الأرض، فما خطا خطوة، ولا نطق كلمة، ولا فعل فعلًا إلا كان فيه نفع للخلق.
وهنا يتسع مفهوم الكرامة، ليس فقط كما يدّعي البعض بالمشي على الماء أو الطيران في السماء، ولكن كل نور نافع هو كرامة. فأشعار (المتنبي) وابن (زيدون) كرامة، وفتوحات (محيي الدين بن عربي) كرامة، وأفكار وكتب (طه حسين) كرامة، وصوت (أم كلثوم) كرامة، وعلم (أحمد زويل) كرامة، وكتابات (ديستويفسكي) و(نجيب محفوظ) و(شكسبير) كرامة، وموهبة (محمد صلاح) كرامة، وكل موهبة وهبها الخالق هي كرامة لا تُزين صاحبها فقط، ولكنها تنفع الناس، وتجعلهم في حالة أفضل من الفهم والوعي، أو السعادة، أو الفرحة.
وما زالت القلوب السليمة في طريقها إلى الله عز وجل سالكة، وما زالت الكرامات والخوارق حادثة فاعلة، وما زال التصوف منذ ظهور الإنسان موجودًا ومؤثرًا وفاعلًا إلى أن يشاء الله.

0 تعليقات