من سؤال حق الأداء العلني إلى أزمة أكبر تتعلق بمن يملك قيمة العمل الفني
في الوقت الذي تتسع فيه النقاشات حول صناعة السينما المصرية ومستقبلها وحقوق العاملين فيها... تظل هناك أسئلة أساسية تتجاوز حدود الخلافات اليومية بين المنتجين والمبدعين... أسئلة تتعلق بمن يصنع العمل السينمائي فعليا... ومن يمتلك ثماره... وكيف تتوزع القيمة التي يحققها الفيلم طوال سنوات وجوده أمام الجمهور.
فالسينما صناعة جماعية لا يولد فيها الفيلم من جهد شخص واحد... وإنما تتضافر داخلها أدوار متعددة تبدأ من الفكرة والسيناريو وتمتد إلى الإخراج والتمثيل والتصوير والمونتاج والموسيقى والتصميم وسائر المهن التي تشكل في النهاية الصورة التي تصل إلى المشاهد... ومع استمرار عرض الأعمال وتغير وسائل المشاهدة وظهور منصات وأسواق جديدة... أصبحت الأسئلة المتعلقة بحقوق أصحاب هذه الأدوار أكثر حضورا وإلحاحا.
ومن هذه الزاوية يكتسب النقاش حول حقوق الفنانين واستمرار العائد من الأعمال الفنية أهمية خاصة... لأنه لا يتعلق فقط بالمقابل الذي يحصل عليه المبدع لحظة تنفيذ العمل... وإنما بما يحدث للعمل بعد خروجه إلى الجمهور... وكيف تستمر قيمته الفنية والاقتصادية عبر الزمن.
وفي هذا السياق... كتب المخرج وكاتب السيناريو عمر صلاح مرعي مقاله «من يصنع السينما ومن يملكها؟»... ولم يكن يكتب من موقع المتفرج على المشهد أو من خارج الصناعة... بل من تجربة شخصية جعلت نظرته إلى القضية أكثر التصاقا بأسئلتها وتعقيداتها.
واللافت أن مرعي كتب هذا المقال من داخل زنزانته... في لحظة يصبح فيها التأمل في معنى الحرية والعمل والحقوق أكثر قسوة ووضوحا... فاختار أن يوجه نظره إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في المجال السينمائي... العلاقة بين من يساهمون في صناعة العمل وبين من يملكون حق استغلاله والعائد الناتج عنه.
ومن هنا تأتي أهمية طرح هذه القضية بعيدا عن اختزالها في مواجهة تقليدية بين فنان ومنتج... فالمسألة أوسع من ذلك بكثير... وتمس القانون وطبيعة العمل السينمائي وآليات الإنتاج والاستغلال الاقتصادي للأعمال الفنية... كما تفتح الباب أمام سؤال أكبر: عندما يواصل الفيلم حياته بعد انتهاء صناعته... لمن تعود القيمة التي يصنعها هذا الاستمرار؟
هذه هي المساحة التي ينطلق منها المقال الذي كتبه عمر صلاح مرعي من داخل زنزانته... محاولة لطرح الأسئلة التي تقف خلف الجدل الظاهر... والبحث في طبيعة العلاقة بين صناعة السينما ومن يساهمون في صنعها ومن يملكون حق الاستفادة من ثمارها.
وكتب مرعي : انتهيت من الركض وعدت إلى زنزانتي.. وما إن دخلت حتى اتجهت إلى التليفزيون لأشاهد ما يدور على الشاشة.. وبينما كنت أتابع البرامج لفت انتباهي تقرير صحفي يتحدث عن ازمة حق الأداء العلني.. وعن مطالبات بعض الفنانين بالحصول على مقابل مادي كلما أعيد تقديم أعمالهم للجمهور.. بدلا من الاكتفاء بالأجر الذي حصلوا عليه عند تنفيذ العمل للمرة الأولى.
وهنا تحديدا أظن أن النقاش يحتاج إلى أن يخرج من فكرة المطالبة الفردية بالحق إلى البحث عن شكل أكثر شمولا لتنظيم العلاقة بين كل الأطراف التي ساهمت في صناعة العمل.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بما يحصل عليه الفنان بعد إعادة عرض الفيلم.. وإنما تمتد إلى الطريقة التي يتم بها التعامل مع العمل نفسه بعد خروجه من مرحلة الإنتاج. فالفيلم الذي انتهى تصويره ومونتاجه منذ سنوات قد يظل حاضرا في السوق لفترات طويلة.. وقد ينتقل من شاشة إلى أخرى ومن قناة إلى منصة ومن سوق إلى سوق.. وفي كل انتقال من هذه الانتقالات قد تتولد له قيمة اقتصادية جديدة.
وهنا لا يمكن تجاهل أصحاب المساهمة الإبداعية الذين صنعوا هذه القيمة من الأساس.. لكن في الوقت نفسه لا يمكن وضع قاعدة عامة تقول إن كل شخص شارك في الفيلم يستحق نسبة من كل عملية عرض.. لأن هذا سيخلق شبكة شديدة التعقيد من الحقوق والالتزامات.. وقد يجعل المنتج غير قادر على معرفة التكلفة الحقيقية لأي استغلال جديد للعمل.
المطلوب إذن ليس مجرد إضافة بند جديد تحت اسم حق الأداء العلني.. وإنما إعادة النظر في شكل العلاقة الاقتصادية التي تربط المبدع بالعمل بعد انتهاء مرحلة الإنتاج.
وهذا يفتح سؤالا آخر لا يقل أهمية.. هل يجب أن يكون المقابل مرتبطا بعدد مرات العرض فعلا.. أم بنسبة من الإيرادات التي يحققها العمل من إعادة الاستغلال؟ فالفرق بين الأمرين كبير.
إذا حصل فيلم مثلا على مبلغ ثابت مقابل بيعه لقناة أو منصة.. فهل يتم اقتطاع نسبة من هذا المبلغ لصالح أصحاب الحقوق؟ وإذا قامت المنصة بعرض الفيلم لسنوات طويلة ضمن مكتبتها.. فهل يصبح استمرار الإتاحة سببا لاستمرار المقابل؟ وماذا يحدث إذا تم بيع الفيلم في بلد آخر أو أعيد توزيعه في سوق جديدة؟
هذه التفاصيل تبدو فنية أو حسابية.. لكنها في الحقيقة هي جوهر القضية.. لأن أي حق من دون آلية واضحة لحسابه وتحصيله يمكن أن يتحول إلى مجرد نص قانوني يصعب تطبيقه على أرض الواقع.
كما أن هناك طرفا آخر يجب ألا يغيب عن النقاش.. وهو المنتج نفسه.
فالمنتج لا يضع أمواله فقط في بداية المشروع ثم ينتظر العائد.. وإنما يتحمل المخاطر المالية منذ اللحظة الأولى.. وقد يمر العمل بسنوات قبل أن يسترد تكلفته.. وقد لا يستردها أصلا. ولذلك فإن تحميله التزامات مالية مفتوحة تجاه عدد كبير من المشاركين في العمل من دون تحديد سقف أو آلية واضحة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.. خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع بعض مصادر التمويل وتغير شكل السوق.
لكن في المقابل.. لا يمكن استخدام تكلفة الإنتاج كحجة لإغلاق الباب تماما أمام أي نقاش حول حقوق أصحاب العمل.. لأن المنتج عندما يبيع العمل أو يعيد استغلاله أو يمنح جهة أخرى حق عرضه.. فإنه يستفيد من قيمة لم تكن موجودة بالشكل نفسه قبل إنتاج الفيلم.
المسألة إذن تحتاج إلى توازن.. فلا يصبح المنتج هو الطرف الوحيد الذي يتحمل أي مقابل إضافي.. ولا يتحول أصحاب الإبداع إلى مجرد أجراء ينتهي ارتباطهم بالعمل بمجرد استلام أجورهم الأولى.. رغم أن العمل نفسه قد يستمر في تحقيق العائد لسنوات.
وهنا أرى أن النقاش الحقيقي يجب أن يبدأ من سؤال بسيط.. ما الذي اتفق عليه الطرفان وقت صناعة العمل؟
العقد هو النقطة التي يمكن من خلالها معرفة ما تم التنازل عنه وما بقي من حقوق وما هي حدود الاستغلال الذي وافق عليه كل طرف.. ولذلك فإن تطوير العقود في صناعة السينما والدراما قد يكون جزءا أساسيا من الحل.. بدلا من انتظار نشوب الخلاف بعد سنوات من إنتاج العمل.
يمكن مثلا أن تكون هناك صيغ تعاقدية أكثر وضوحا تحدد المقابل الأولي.. وتحدد في الوقت نفسه ما يحدث إذا أعيد استغلال العمل بصورة تحقق إيرادات جديدة.. سواء من خلال إعادة العرض أو البيع لمنصة أو التوزيع خارج مصر أو أي وسيلة استغلال أخرى تظهر مع تغير التكنولوجيا والسوق.
وهذا مهم لأن الصناعة نفسها لم تعد كما كانت عندما كان الفيلم يعرض في السينما ثم ينتقل إلى التليفزيون وينتهي الأمر.
اليوم أصبح العمل يعيش أكثر من حياة.. يمكن أن يبدأ من دور العرض.. ثم ينتقل إلى منصة رقمية.. ثم إلى قناة تليفزيونية.. ثم يعود إلى منصة أخرى.. وقد يبقى متاحا للمشاهدة سنوات طويلة.. وربما يصل إلى جمهور لم يكن موجودا أصلا وقت إنتاجه.
هذا التغير في طريقة استغلال الأعمال يجعل القواعد القديمة بحاجة إلى مراجعة مستمرة.. ليس بالضرورة لأن القانون القديم غير صالح.. وإنما لأن السوق التي يطبق فيها القانون تغيرت بصورة أسرع كثيرا.
وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول النقاش إلى معركة إعلامية بين الفنانين والمنتجين.. لأن ذلك سيجعل كل طرف ينظر إلى المسألة باعتبارها انتصارا أو خسارة.. بينما القضية في حقيقتها أكبر من ذلك.
نحن نتحدث عن صناعة تحتاج إلى الاستمرار.. وعن مبدعين يريدون ضمان حقوقهم.. وعن منتجين يحتاجون إلى القدرة على تمويل أعمال جديدة.. وعن جمهور يريد أن يجد سينما ودراما قادرتين على الاستمرار والتطور.
لذلك فإن الوصول إلى صيغة عادلة لحقوق الاستغلال اللاحق للأعمال السمعية والبصرية لن يكون مفيدا للفنان وحده.. وإنما يمكن أن يكون مفيدا للصناعة كلها إذا وضع في إطار واضح لا يقتل الاستثمار ولا يهدر حقوق المبدعين.
والأهم من ذلك أن تكون هناك شفافية في معرفة أين تذهب الأموال الناتجة عن استغلال العمل.. وكم حقق العمل.. ومن حصل على المقابل.. وما هي النسبة التي ذهبت لكل طرف.
فبدون هذه الشفافية سيظل الحديث عن الحقوق يدور في دائرة مغلقة.. وسيظل كل طرف يعتمد على تقديره الخاص لما يراه عادلا.
وفي رأيي.. ربما تكون أزمة حق الأداء العلني فرصة لفتح هذا الملف بصورة أوسع.. ليس فقط من أجل الممثلين.. وإنما من أجل كل من يساهم في صناعة العمل السينمائي والدرامي.. ومن أجل وضع تصور جديد للعلاقة بين الأجر الأول الذي يحصل عليه المبدع وبين القيمة التي يمكن أن يستمر العمل في تحقيقها بعد ذلك.
فالعمل الفني لا يتوقف عمره بالضرورة عند لحظة الانتهاء من تصويره.. وأحيانا تبدأ حياته الاقتصادية الحقيقية بعد ذلك بسنوات.
وهذه الحقيقة هي التي يجب أن تكون نقطة البداية في أي نقاش جاد حول حقوق إعادة الاستغلال.. لا أن نسأل فقط من يملك الفيلم.. وإنما أن نسأل أيضا كيف صنعت قيمته.. وكيف يتم استثمار هذه القيمة.. ومن يشارك في العائد الذي يستمر العمل في تحقيقه.
لأن السينما في النهاية ليست مجرد منتج يباع مرة واحدة.. وليست أيضا مجموعة أجور تدفع ثم تنتهي العلاقة.. إنها صناعة كاملة تقوم على تداخل المال مع الإبداع والقانون مع السوق.. وأي محاولة لتنظيم حقوق الأداء العلني أو إعادة الاستغلال لا يمكن أن تنجح إذا تعاملت مع جانب واحد وتركت بقية الصورة خارج الحساب.
يبقى السؤال الأهم.. كيف يمكن حماية هذا الحق من أن يتحول مع الوقت إلى ميزة إضافية لا يحصل عليها إلا أصحاب النفوذ الأكبر داخل الوسط الفني؟
وهنا تبرز مسألة النجم بشكل واضح.. فالعقود الجديدة تستطيع أن تضع ضمانات أفضل لمن سيعملون في المستقبل.. ويمكنها أن تفصل بين حق العرض الأول وحقوق إعادة العرض.. وتحدد استغلال العمل عبر المنصات.. ومدة السماح بهذا الاستغلال.. والمقابل الذي يحصل عليه كل طرف.
لكن الاعتماد على التفاوض الفردي وحده قد يؤدي إلى نتيجة غير عادلة.. فالفنان الذي يمتلك شهرة واسعة وقوة أكبر في التفاوض سيكون قادرًا على فرض شروط أفضل لنفسه.. بينما قد لا يملك الفنان الأقل شهرة أو العامل الذي يقف في موقع تفاوضي ضعيف القدرة نفسها على المطالبة بالشروط ذاتها.
وفي الاتجاه الآخر.. فإن وضع نسبة مالية مفتوحة لكل شخص شارك في صناعة العمل من دون قواعد محددة قد يؤدي إلى زيادة الأعباء على الإنتاج.. خصوصا أن الصناعة تواجه بالفعل ارتفاعا في التكاليف.. إلى جانب التغير المستمر في اقتصاد التوزيع والمنصات الرقمية.
لكن هذا كله لا يعني إلغاء الحق أو تجاهله.. بل يكشف أن القضية أكبر من مجرد إضافة فقرة جديدة إلى عقود العاملين في الصناعة.. نحن أمام حاجة إلى نظام متكامل يحدد طريقة توزيع العائد الناتج عن استمرار استغلال العمل.
والنقاش الذي دار خلال الفترة الأخيرة يعكس هذه المساحة غير المحسومة.. فهناك من يرى أن حصول المبدعين على حقوق مالية منطقية ومشروعة.. بينما ترى غرفة صناعة السينما أن تطبيق هذه الحقوق بالصورة المطروحة قد ينعكس على تكلفة الإنتاج والتوزيع ويزيد الضغوط الموجودة بالفعل على الصناعة.
ومن المهم هنا ألا نقول إن القانون يحرم الممثلين والمخرجين من الحقوق المالية بشكل مطلق.. فهذا توصيف غير صحيح.. وفي الوقت نفسه لا يصح القول إن كل شخص شارك في صناعة الفيلم يمتلك تلقائيا حقا مستقلا في الأداء العلني عند كل إعادة عرض.
الأدق أن نقول إن القانون وضع بالفعل إطارا لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.. لكن هذا الإطار لا يقدم إجابة سهلة لمسألة توزيع العائد الناتج عن إعادة استغلال عمل سمعي بصري شارك في صناعته عدد كبير من الأشخاص.
وهذه هي المساحة التي كشف عنها الجدل الحالي.. وهي في رأيي أكثر أهمية من اختزال الموضوع كله في مواجهة مباشرة بين ممثل ومنتج.
المطلوب في النهاية ليس أن ننتصر لطرف على حساب الآخر.. وإنما أن نعيد ترتيب العلاقة الاقتصادية داخل صناعة السينما والدراما نفسها.
نحن بحاجة إلى قواعد محددة تنظم إعادة العرض والاستغلال اللاحق.. وإلى جهة مستقلة تتولى التحصيل والتوزيع بصورة واضحة وشفافة.. وإلى عقود مستقبلية تضع كل حق في مكانه وتحدد شروطه بشكل صريح.
وفي الوقت نفسه يجب أن تكون هناك قاعدة تمنع تحول الحماية إلى امتياز خاص بالنجوم وحدهم.. كما يجب ألا يصبح الأجر الذي حصل عليه العامل عند بداية المشروع سببا لإغلاق الباب أمام أي قيمة مالية يمكن أن يحققها العمل مستقبلا.
عند الوصول إلى هذه الصيغة.. يمكن أن يتحول الحديث عن الأداء العلني من مجرد خلاف قانوني أو مهني إلى جزء من عملية إصلاح أوسع لصناعة السينما والدراما.
فالأسئلة الحقيقية لا تتعلق فقط باسم الحق.. وإنما بطبيعته وحدوده.. وهل نحن أمام حق موجود بالفعل يحتاج إلى تنظيم أفضل.. أم أن طبيعة العمل السينمائي الجماعية تفرض التفكير في صياغة حق جديد يتناسب معها؟
أزمة صناعة السينما والدراما.. حين تتبدل السوق أسرع من القواعد
أزمة السينما المصرية في الوقت الحالي لا يمكن اختصارها في قضية الأداء العلني.. كما لا يمكن تحميل أجور الفنانين وحدها مسؤولية ما تواجهه الصناعة.
ظهور هذه القضية يأتي في وقت يمر فيه النموذج الاقتصادي للسينما نفسه بمرحلة اضطراب.. تكاليف الإنتاج تواصل الارتفاع.. بينما لا تتحرك وسائل استرداد الأموال بالسرعة نفسها.. والجمهور يغير طريقة مشاهدته للأعمال.. والمنصات الرقمية أصبحت طرفا أساسيا في دورة حياة الفيلم والمسلسل.. كما ازدادت أهمية التوزيع خارج مصر بالنسبة إلى عدد من الأفلام.
وفي الوقت نفسه.. وعلى الرغم من التاريخ الطويل للسوق المصرية وحجمها المعروف.. فإن الاعتماد على السوق المحلية وحدها لم يعد كافيا في كل الحالات لضمان استرداد تكلفة الفيلم.
ولهذا فإن إضافة أي التزام مالي جديد إلى دورة الإنتاج يجب ألا تناقش بمعزل عن السؤال الأهم.. كيف تعمل سوق السينما والدراما المصرية حاليا؟ ومن يملك القدرة على التحكم في مساراتها؟
المشكلة الأولى أن الفيلم المصري أصبح يتحرك داخل سوقين متداخلتين.. السوق المحلية والأسواق الخارجية.. لكن لا واحدة منهما تمثل ضمانا مؤكدا للنجاح.
السوق المصرية تظل بطبيعة الحال المكان الأساسي الذي يفترض أن يصل إليه الفيلم المصري.. لكن الإيرادات التي يحققها الفيلم محليا ليست دائما كافية لتغطية تكلفته.. خاصة عندما ترتفع ميزانية الإنتاج وتشتد المنافسة على شاشات العرض.
في المقابل.. أصبحت الأسواق العربية.. وبالأخص أسواق الخليج.. جزءا مهما من حسابات تمويل الأفلام واسترداد الأموال التي أنفقت عليها.
هذا التوسع خارج الحدود يمنح الفيلم المصري فرصة للوصول إلى جمهور أكبر.. لكنه في الوقت نفسه يجعل بعض قرارات الإنتاج مرتبطة بطبيعة تلك الأسواق.. بذائقتها.. وأسعارها.. وشروطها.
ومع مرور الوقت قد يجد صانع الفيلم نفسه أمام ضرورة إنتاج عمل يمكن تسويقه في أكثر من بلد عربي.. بدلا من أن يكون اهتمامه الأول منصبا على الجمهور المصري وحده.
وهنا يتحول سؤال الجمهور من مجرد سؤال فني إلى مسألة اقتصادية أيضا.. فعندما يعتمد جزء مهم من تكلفة الفيلم على قدرته على البيع خارج مصر.. يصبح من الطبيعي أن يدخل حجم السوق الخارجية وذوق جمهورها في الحسابات التي تسبق عملية الإنتاج.
أما داخل مصر.. فهناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية.. الجمهور موجود بالفعل.. لكن الفيلم لا يصل إليه دائما بالدرجة نفسها.
عدد دور العرض.. وانتشارها في المحافظات والمناطق المختلفة.. وقدرتها على استقبال أنواع متنوعة من الأفلام.. كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في فرص أي فيلم في تحقيق الإيرادات.
هناك مناطق لا تصل إليها الأفلام المصرية كما تصل إلى القاهرة والمدن الكبرى.. وهناك جمهور قد يرغب في مشاهدة الفيلم لكنه لا يستطيع الذهاب إلى السينما بانتظام بسبب ارتفاع سعر التذكرة أو بسبب بُعد دار العرض عن مكان إقامته.
لذلك فإن الحكم على فيلم بأنه لم ينجح في شباك التذاكر قد لا يكون كافيا لفهم الصورة كاملة.
قبل أن نقول إن الجمهور رفض الفيلم.. علينا أن نسأل أولا.. كم شاشة عرضته؟ وكم مرة كان يعرض يوميا؟ وفي أي مناطق ظهر؟ وما المواعيد التي حصل عليها؟ وكم استمر في دور العرض قبل أن يحل فيلم آخر مكانه؟
فشباك التذاكر لا يعكس فقط رغبة الجمهور في مشاهدة فيلم معين.. وإنما يعكس أيضا قدرة هذا الفيلم على الوصول إلى الجمهور من الأساس.
لكن هناك جانب آخر من أزمة السوق ربما يكون أكثر حساسية.. وهو مسألة النفوذ الذي تملكه جهات التوزيع والعرض. فعندما تكون جهة واحدة صاحبة وجود قوي في عدد كبير من دور العرض.. وفي الوقت نفسه تكون لها صلة بالإنتاج أو التوزيع.. فإن تأثيرها لا يتوقف عند امتلاك شاشات يمكن أن يعرض عليها الفيلم.. بل يمتد إلى التحكم في جزء من المسار الذي يسلكه الفيلم حتى يصل إلى الجمهور.
ولا أقصد بهذا الكلام توجيه اتهام إلى جهة محددة أو القول بوجود مخالفة بعينها.. وإنما أتحدث عن وضع يمكن أن يخلق اختلالا في توازن السوق. فامتلاك عدد كبير من الشاشات يمنح صاحبه قدرة على التأثير في حجم حضور الفيلم.. وعدد مرات عرضه.. والمواعيد التي يظهر فيها.. والأماكن التي يصل إليها.. والفترة التي يظل خلالها موجودا في دور العرض.
وبالتالي فإن التوزيع لا يمكن اعتباره مجرد خطوة لاحقة ينتهي عندها دور المنتج.. وإنما أصبح أحد العوامل التي يمكن أن تحدد من البداية ما إذا كان الفيلم سيحصل على فرصة حقيقية للوصول إلى الجمهور وتحقيق عائد تجاري أم لا.
وفي ظل هذا الوضع.. يصبح اسم النجم عاملا شديد التأثير في القرار التجاري.. لأن وجود نجم معروف يمنح الموزع ودار العرض درجة أكبر من الثقة في قدرة الفيلم على جذب الجمهور.
وهنا تدخل الصناعة في حلقة يصعب الخروج منها.. الفيلم يحتاج إلى اسم جماهيري قوي حتى يجد طريقه إلى التوزيع والعرض.. وفي المقابل يستطيع النجم أن يطلب أجرا أعلى لأنه يمثل واحدة من أهم أوراق الرهان التي تعتمد عليها السوق في توقع الإيرادات.
ارتفاع أجور النجوم يصبح بالتالي مشكلة حقيقية عندما يذهب جزء كبير من ميزانية الفيلم إلى عنصر واحد.. لكن تكلفة النجم لا تتوقف دائما عند الرقم المكتوب في العقد.
فهناك مجموعة كاملة من المصروفات التي قد ترتبط بوجوده في العمل.. من مساعدين وسيارات وكرفانات.. إلى الإقامة والخدمات الخاصة.. ومعدات وتجهيزات إضافية.. وفترات الانتظار.. ومتطلبات جدول التصوير.. وغيرها من التفاصيل التي قد تبدو صغيرة إذا نظرنا إلى كل واحدة منها منفردة.. لكنها تتحول في النهاية إلى رقم كبير يضاف إلى تكلفة الإنتاج.
ولهذا أصبح الحديث عن تضخم تكلفة الإنتاج في السنوات الأخيرة مرتبطا أيضا بما يحيط بأجور النجوم من خدمات ومتطلبات.. وليس بالأجر المباشر وحده.
وفي الحقيقة.. فإن المشكلة لا تتعلق بالنجوم وحدهم.. لأن تكلفة صناعة الفيلم ارتفعت بصورة عامة في معظم مراحل الإنتاج.
معدات التصوير أصبحت أكثر تكلفة.. وكذلك الإضاءة والصوت.. وأماكن التصوير والديكورات والملابس والمكياج وتصفيف الشعر.. إلى جانب الطعام والإقامة والتنقلات.. والمؤثرات والمونتاج والتصحيح اللوني والموسيقى.. وصولا إلى أجور الفنيين والعمال والتأمينات والتجهيزات اللوجستية.. ثم نفقات الدعاية والتسويق والتوزيع.
الفيلم في النهاية ليس مجموعة ممثلين أمام كاميرا.. فكل مشهد يظهر على الشاشة تقف خلفه مجموعة طويلة من العاملين والخدمات والمعدات والنفقات.
ولهذا فإن زيادة تكلفة الإنتاج لا تعني ببساطة أن المنتج أصبح ينفق أموالا أكثر.. وإنما تعني أن المسافة التي يجب أن يقطعها الفيلم قبل الوصول إلى نقطة التعادل أصبحت أطول.
فالفيلم الذي كان يستطيع في السابق تغطية تكلفته من عدد محدد من التذاكر أو من بيع حقوقه إلى قناة أو موزع.. يحتاج الآن إلى تحقيق إيرادات أكبر بكثير حتى يصل إلى النقطة التي لا يحقق عندها ربحا ولا خسارة.
وتزداد الصورة تعقيدا إذا انتبهنا إلى أن الرقم الذي نراه معلنا عن إيرادات شباك التذاكر لا يمثل بالضرورة ما يدخل إلى حساب المنتج.
فالإيرادات يتم توزيعها بين أطراف متعددة.. وهناك نسب تذهب إلى دور العرض والتوزيع.. إضافة إلى الضرائب والمصروفات المختلفة.. وبالتالي فإن إجمالي المبيعات الذي يظهر في الأخبار لا يمكن اعتباره ربحا صافيا للجهة المنتجة.
قد يحقق الفيلم رقما كبيرا في شباك التذاكر.. ومع ذلك تكون الأرباح الفعلية أقل كثيرا مما قد يتخيله المتابع عندما يرى الرقم المعلن.
وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل خطورة.. وهي مسألة دقة البيانات نفسها.
فقد دار خلال الفترة الأخيرة نقاش حول مدى دقة الأرقام التي تعلن عن إيرادات الأفلام.. وما إذا كانت هناك احتمالات للتلاعب في بيانات شباك التذاكر.. وهو ملف دفع غرفة صناعة السينما إلى بحث الموضوع مع شعبة التوزيع ودور العرض.
وهذه المسألة لا تتعلق فقط بفضول الجمهور لمعرفة الفيلم الأكثر تحقيقا للإيرادات.. لأن شفافية الأرقام تمثل أساسا لاتخاذ قرارات اقتصادية حقيقية.
المنتج يحتاج إلى معرفة العائد الفعلي لعمله.. والمستثمر يحتاج إلى بيانات يمكن الاعتماد عليها قبل أن يضع أمواله في مشروع جديد.. والصناعة بأكملها تحتاج إلى أرقام حقيقية حتى تستطيع تقييم السوق والتخطيط للمستقبل.
وعندما تكون البيانات نفسها محل شك.. يصبح من الصعب بناء قرارات سليمة عليها.
وهناك عامل آخر يضغط على الصناعة.. وهو اعتماد السوق بدرجة كبيرة على المواسم.
الأفلام التجارية الكبيرة غالبا ما تحاول حجز مواقعها في فترات الأعياد والمواسم التي يرتفع فيها إقبال الجمهور على السينما.. بينما يصبح إطلاق فيلم في فترة هادئة من العام أكثر مخاطرة بالنسبة إلى المنتج.
وبذلك تتكدس مجموعة كبيرة من الأفلام في أوقات محددة.. ثم تمر فترات أخرى بعدد أقل من الأفلام المعروضة.
وهذا يجعل الفيلم لا ينافس فقط بجودة ما يقدمه.. وإنما ينافس أيضا على الموعد الذي سيظهر فيه.. وعلى عدد الشاشات التي يستطيع الوصول إليها.. وعلى عدد العروض التي يمكن أن يحصل عليها.
حتى جدول الإنتاج نفسه يتأثر بهذا الوضع.. إذ يصبح مرتبطا بمواعيد النجوم وبالمواسم التي تستهدفها الشركات.. وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على المنتجين والفنيين ويقلل من المرونة التي تحتاج إليها عملية صناعة الفيلم.
ثم تأتي القرصنة لتضع ضغطا إضافيا على النموذج الاقتصادي من جهة أخرى.
قد ينفق المنتج ملايين الجنيهات على صناعة فيلم.. ثم يجد نسخة منه متاحة على الإنترنت بشكل غير قانوني بعد فترة قصيرة جدا من طرحه.. وفي بعض الحالات تصبح الأيام الأولى من عمر الفيلم.. وهي الفترة التي يفترض أن تكون الأكثر أهمية تجاريا.. هي نفسها الأكثر عرضة لخطر القرصنة.
والقرصنة لم تعد اليوم مقتصرة على مواقع بسيطة ترفع الأفلام للتحميل.. فقد أصبحت هناك منظومة واسعة تشمل خدمات بث غير قانونية وIPTV وقنوات ومنصات غير مرخصة ومجموعات تنتشر عبر تطبيقات التواصل.. وهو ما يجعل الوصول إلى المحتوى المسروق أسهل وأسرع من أي وقت مضى.
وفي مصر والمنطقة العربية.. ترتبط هذه الظاهرة أيضا بعوامل أخرى.. من بينها اختلاف القدرة الشرائية بين الجمهور.. وعدم قدرة بعض المشاهدين على الوصول بسهولة إلى الخدمات القانونية المدفوعة.
وهذا يجعل مواجهة القرصنة أكثر تعقيدا من مجرد مطالبة الناس بعدم مشاهدة المحتوى غير القانوني.
فمن الناحية الاقتصادية.. الصورة واضحة.. هناك جمهور يريد مشاهدة العمل ومستعد في بعض الحالات لاستهلاك محتواه.. لكن القيمة التي يمثلها هذا الاستهلاك لا تصل بالكامل إلى المنتجين وأصحاب الحقوق.
وبالتالي فإن كل مشاهدة تتم خارج القنوات القانونية تعني أن الصناعة تفقد جزءا من العائد الذي كان يمكن أن يعود إليها.. وهو ما يزيد الضغط على نموذج إنتاج يعاني بالفعل من ارتفاع التكاليف وصعوبة استرداد الأموال.
المفارقة هنا أن الصناعة تواجه ضغطين في اللحظة نفسها.. تكلفة إنتاج ترتفع باستمرار في مقابل صعوبة متزايدة في استعادة الأموال التي أنفقت على العمل. فالفيلم الأعلى تكلفة لا بد أن يحقق إيرادات أكبر حتى يستعيد ميزانيته.. لكن الجمهور لم يعد موجودا في مكان واحد يمكن الوصول إليه بسهولة.. جزء يذهب إلى دور العرض.. وجزء يتابع عبر التليفزيون.. وآخر ينتظر المنصات.. بينما يصل العمل في أحيان كثيرة إلى الجمهور من خلال قنوات غير قانونية. ومع هذا التغير يصبح تحقيق الإيراد المطلوب أكثر تعقيدا.
وفي الوقت نفسه.. تزداد أهمية النجم باعتباره عنصرا يساعد على تسويق الفيلم وضمان فرص توزيعه.. لكن الاعتماد الأكبر على النجوم يعني ارتفاع أجورهم.. وارتفاع الأجر يرفع ميزانية الإنتاج.. والميزانية الأعلى تجعل الحاجة إلى نجم قادر على جذب الجمهور أكبر. ثم تدخل عوامل أخرى في المعادلة.. سوق عربية أو خارجية يمكن أن تساهم في استرداد التكلفة.. أو منصة وموزع لديهما القدرة على شراء العمل. وبذلك تتحول عملية صناعة الفيلم تدريجيا من البحث عن العمل الذي نريد تقديمه إلى البحث عن العمل الذي يمكن ضمان بيعه وتسويقه.
ومن هنا يمكن فهم جانب آخر من الأزمة يتعلق بتنوع الأفلام نفسها. عندما يصبح تمويل الفيلم مغامرة مالية كبيرة.. فإن الاتجاه الطبيعي للسوق يكون نحو العناصر التي سبق اختبار قدرتها على تحقيق الإيرادات. اسم نجم معروف.. نوع من الأفلام حقق نجاحا سابقا.. كوميديا أو أكشن أو خلطة تجارية مجربة.. موسم تزداد فيه حركة الجمهور.. وحملة دعائية يمكن تقدير نتائجها بشكل أقرب إلى اليقين. أما الفيلم الذي يحاول تقديم تجربة مختلفة أو بناء جمهور جديد من الصفر.. أو يعتمد على ممثلين لا يمتلكون قوة اسمية كبيرة.. أو يقترب من موضوع غير معتاد.. فإنه يجد صعوبة أكبر في إقناع الممول والموزع بدخول هذه المغامرة.
وتشير تحليلات حديثة للسوق إلى مشكلة أخرى تزيد من صعوبة هذا الوضع.. وهي محدودية عدد الموزعين القادرين على التعامل مع الأفلام المستقلة.. إلى جانب وجود حالات يكون فيها مالك دور العرض مرتبطا أيضا بإنتاج أفلام تجارية كبيرة. وهذا التركيب يجعل الفيلم الذي لا يستند إلى نجم جماهيري كبير أو إلى نموذج إنتاج تجاري معروف أمام طريق أكثر صعوبة للوصول إلى الشاشات.
ولهذا يجد المنتج الذي يريد خوض تجربة بفيلم متوسط الميزانية أو عمل تجريبي أو مشروع يعتمد على أسماء جديدة نفسه في موقف غير متكافئ.. فكلما قلت فرصه في الحصول على شاشات داخل السوق المحلية أو بيع العمل في الأسواق الخارجية.. ارتفع مستوى المخاطرة بالنسبة لمن سيمول الفيلم. ومع تكرار هذه المعادلة يصبح من الطبيعي أن يميل السوق إلى الأسماء التي يعتبرها مضمونة تجاريا.. بينما تظل الأعمال الصغيرة والمستقلة أكثر تعرضا للتعثر.
وهنا تظهر نقطة مهمة.. زيادة عدد الأفلام المنتجة في حد ذاتها لا تعني أن الصناعة أصبحت أقوى. الفيلم قد تكتمل صناعته بالفعل.. وقد يصبح جاهزا للعرض.. لكن إذا لم يجد الموزع المناسب أو عدد الشاشات الكافي أو التوقيت الملائم أو الحملة التي تلفت انتباه الجمهور.. فإن عملية الإنتاج تنتهي دون أن يحصل العمل على فرصة حقيقية في السوق. وفي هذه الحالة لا يمكن اختزال المشكلة في جودة الفيلم وحدها.. فقد يكون العمل جيدا.. لكن لم يحصل ببساطة على الظروف التي تسمح له بالوصول إلى جمهوره.
لذلك فالأزمة لا تتعلق فقط بأفلام لا تصل إلى المشاهدين.. بل تمتد إلى قدرة السوق نفسها على الاستمرار في إنتاج أفلام متنوعة. ومع ضعف هذه القدرة تتقلص مساحة التجريب والمغامرة.. ويصبح تكرار النماذج الناجحة السابقة أكثر أمانا من تمويل أفكار جديدة.
ويزداد الأمر تعقيدا بسبب ضعف الأدوات المؤسسية التي يفترض أن تساعد على قراءة السوق وإدارتها بطريقة أكثر حداثة. فالصناعة تحتاج إلى أرقام شباك يمكن الوثوق بها.. وبيانات واضحة عن نسب المشاهدة.. وقواعد مفهومة لتوزيع الإيرادات.. وعقود تحدد حقوق كل طرف والتزاماته.. وتنظيم واضح للعلاقة بين المنتج والموزع ودور العرض والمنصة. كما تحتاج إلى آليات تمويل تستطيع توزيع المخاطر بين أكثر من طرف بدلا من ترك العبء المالي بالكامل على جهة واحدة.
حتى الإجراءات التنظيمية والرسوم التي تفرضها الدولة يمكن أن تصبح عاملا إضافيا في زيادة صعوبة الإنتاج إذا لم تراع اختلاف أحجام الشركات وطبيعة المشروعات. فالتكلفة التي قد تبدو محدودة بالنسبة إلى شركة إنتاج كبيرة يمكن أن تمثل عبئا ثقيلا على منتج مستقل أو مشروع صغير. وهذا ظهر في الجدل الذي شهدته صناعة السينما حول رسوم الرقابة في عام 2025.. حيث حذرت غرفة صناعة السينما من أن زيادة الأعباء المالية قد تنعكس بصورة أكبر على الإنتاجات الصغيرة.. وهي الفئة التي تواجه أصلا صعوبة أكبر في الحصول على التمويل والتوزيع والوصول إلى الجمهور.
إصلاحات ضرورية لإعادة توازن سوق السينما والدراما
عندما تكون الأزمة موزعة بين المنتج والفنان والموزع ودور العرض والمنصات.. فلن يكون منطقيا أن نعالجها بإضافة عبء جديد على طرف واحد أو بمنح طرف آخر حقا ماليا ثم نترك بقية المنظومة تعمل بالطريقة نفسها. ما تحتاجه الصناعة هو تغيير في طريقة توزيع القوة والعائد والمخاطرة منذ لحظة التفكير في الفيلم وحتى وصوله إلى المشاهد.
وأهم نقطة يمكن البدء منها هي مسألة السيطرة على حلقات السوق. فوجود الإنتاج والتوزيع والعرض داخل دائرة اقتصادية واحدة قد يمنح بعض الجهات نفوذا أكبر من غيرها في تحديد مصير الفيلم. القضية هنا لا تتعلق بافتراض وجود مخالفة قانونية.. وإنما بطبيعة القوة التي تنتج عن امتلاك أكثر من حلقة في السلسلة نفسها. فالجهة التي تملك الشاشات تستطيع التأثير في عدد مرات عرض الفيلم.. وفي مواعيد هذه العروض.. وفي استمراره داخل دور العرض.. وبالتالي في حجم الجمهور الذي يستطيع الوصول إليه.
ولهذا فإن تنظيم العلاقة بين هذه الحلقات يصبح ضروريا.. ليس بهدف إضعاف الشركات الكبيرة أو الحد من توسعها.. ولكن حتى لا تتحول القوة الاقتصادية إلى وسيلة تمنح مجموعة محدودة من اللاعبين قدرة شبه كاملة على التحكم في رحلة الفيلم داخل السوق. المنتج المستقل مثلا يجب ألا يبدأ مشروعه وهو يعلم أن الطرف الذي ينافسه في السوق قد يمتلك في الوقت نفسه أدوات الإنتاج والتوزيع والعرض.
ومن المشكلات التي تحتاج إلى معالجة أيضا أن السوق المصرية نفسها لم تعد تحصل على الاهتمام الذي يتناسب مع حجمها. الاعتماد المستمر على الأسواق الخليجية والعربية لتعويض ضعف الإيرادات المحلية لا يمكن أن يكون بديلا دائما عن وجود سوق مصرية قوية. فكلما أصبح الجمهور المحلي أقل قدرة على الذهاب إلى السينما.. سواء بسبب أسعار التذاكر أو محدودية دور العرض أو بعدها عن مناطق السكن.. تراجعت قدرة السوق على تمويل الأفلام من داخلها.
الحل ليس في إعادة تجربة شكل دور العرض القديم كما كان.. وإنما في توسيع قاعدة الوصول إلى السينما. المجمعات الكبيرة تخدم شريحة مهمة من الجمهور.. لكنها وحدها لا تكفي. هناك حاجة إلى دور عرض متوسطة وصغيرة تنتشر في المدن والمناطق المختلفة.. وتوفر أسعارا تسمح لشرائح أكبر بدخول السينما بصورة منتظمة. وإذا زاد عدد المتفرجين واتسعت قاعدة الجمهور.. يصبح من الممكن أن يجد الفيلم متوسط الميزانية مساحة حقيقية لتحقيق إيرادات محلية.. بدلا من أن يعتمد منذ البداية على صفقة خارجية حتى يستطيع تغطية تكلفته.
وبالتالي فإن إنشاء دور عرض في المناطق التي تفتقر إليها لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشروعا ثقافيا فقط.. بل هو جزء من إعادة بناء النشاط الاقتصادي للسينما. فزيادة عدد نقاط العرض وتسهيل الوصول إليها يمكن أن تعني ببساطة زيادة عدد الأشخاص الذين يشترون تذكرة لمشاهدة الفيلم.
أما الأسواق الخارجية.. فمن الخطأ اختصارها في منطقة واحدة. الفيلم المصري يمكن أن يبحث عن فرص في دول عربية مختلفة.. وفي أسواق مغاربية وإفريقية.. كما يمكن استهداف الجاليات العربية الموجودة في الخارج وبعض الأسواق الدولية. لكن الوصول إلى هذه المناطق يحتاج إلى صناعة توزيع أكثر احترافا.. وليس مجرد البحث عن مشتر بعد انتهاء التصوير.
فالتوسع الخارجي يتطلب معرفة طبيعة الجمهور في كل سوق.. وشركات لديها علاقات توزيع دولية.. وترجمة ودبلجة عند الحاجة.. وحملات تسويقية مناسبة.. ومشاركة منتظمة في المهرجانات والأسواق المتخصصة. وكلما تعددت الأسواق التي يمكن للفيلم الوصول إليها.. قل خطر أن يصبح مصير الإنتاج معلقا على منطقة واحدة أو جهة واحدة تشتري الفيلم.
وفي داخل عملية الإنتاج نفسها.. هناك فئة من الأفلام اختفت مساحتها تدريجيا بين الإنتاجات الضخمة والمشروعات المستقلة الصغيرة. الفيلم متوسط الميزانية يمكن أن يمثل حلا مهما لهذه المشكلة.. فهو لا يحتاج بالضرورة إلى ميزانية ضخمة جدا.. وفي الوقت نفسه يستطيع أن يقدم إنتاجا احترافيا يعتمد على سيناريو جيد ومخرج قادر وممثلين مناسبين.
لكن هذا النوع من الأفلام يحتاج إلى بيئة تسمح له بالحياة. يجب أن يجد تمويلا مناسبا.. وموزعا مستعدا للمغامرة.. وشاشات تمنحه وقتا كافيا للوصول إلى الجمهور.. ثم فرصا للانتقال إلى المنصات والأسواق العربية. وجود هذا المسار يمكن أن يعيد جزءا من التنوع الذي فقدته السوق.. ويخفف أيضا من الاعتقاد بأن الفيلم لا يستطيع النجاح إلا إذا حمل اسم نجم كبير.
وهنا نصل إلى نقطة مرتبطة مباشرة بتوزيع المخاطر. لا يمكن أن يبقى المنتج وحده مسؤولا عن تمويل الفيلم وتحمل احتمال الخسارة.. ثم تتحول أي إيرادات مستقبلية إلى مجال للمطالبة المستمرة بنصيب إضافي لكل طرف. إذا أردنا نظاما أكثر توازنا.. فيجب أن يكون هناك تصور واضح لمن يتحمل المخاطرة ومن يحصل على العائد عندما ينجح العمل.
ومن النماذج التي يمكن التفكير فيها أن تتحول علاقة بعض النجوم بالإنتاج من مجرد الحصول على أجر مرتفع إلى صيغة تجمع بين الأجر والمشاركة في المشروع. النجم الذي يرى أن وجوده يمثل عاملا أساسيا في قدرة الفيلم على البيع يمكن أن يدخل في بعض الحالات كشريك في الإنتاج.. فيتحمل جزءا من المخاطرة مقابل الحصول على حصة من النتائج إذا نجح الفيلم.
وهذه الفكرة ليست جديدة تماما على السينما المصرية.. فقد ظهرت في تجارب مختلفة عندما شارك نجوم في الإنتاج إلى جانب عملهم أمام الكاميرا. لكن إعادة طرح النموذج اليوم تحتاج إلى صيغة أكثر وضوحا وعدالة.. بحيث لا تتحول المشاركة إلى وسيلة لإجبار الفنان على التخلي عن أجره.. ولا تصبح وسيلة لتحميله خسائر الفيلم دون مقابل حقيقي.
الفكرة الأساسية هي تغيير النظرة إلى النجم نفسه داخل الميزانية.. فبدلا من أن يكون اسمه سببا تلقائيا في تضخم تكلفة الفيلم.. يمكن في بعض المشروعات أن يتحول إلى طرف يشارك في المخاطرة وفي العائد. وإذا كانت هذه الصيغة اختيارية وتقوم على تفاوض واضح بين الطرفين.. فقد تمنح المنتج مساحة مالية أكبر.. وفي الوقت نفسه تمنح النجم فرصة للاستفادة من نجاح الفيلم بما يتجاوز أجره الثابت.
مواجهة القرصنة وبناء بيئة جديدة لصناعة السينما
لا يمكن لأي خطة لإصلاح اقتصاد السينما أن تنجح بينما تظل القرصنة قادرة على سحب الفيلم من السوق القانونية بمجرد طرحه. فالصناعة تنفق أموالا كبيرة على الكتابة والتصوير والممثلين والمعدات والتسويق.. ثم قد يجد الفيلم طريقه بسرعة إلى مواقع ومنصات غير شرعية يستفيد منها آخرون دون أن يعود المقابل المالي إلى أصحاب الحقوق.
ولهذا فإن التعامل مع القرصنة يحتاج إلى ما هو أبعد من مطاردة موقع ثم ظهور موقع آخر بالاسم نفسه أو باسم مختلف. المطلوب منظومة مستمرة للرصد والحذف والملاحقة.. تجمع بين الجهات الحكومية وأصحاب الحقوق والمنصات وشركات الاتصالات.. بحيث يكون التعامل مع النسخ غير القانونية سريعا ولا يترك للمحتوى وقتا طويلا لتحقيق أرباحه. والأهم هو ضرب الجانب التجاري للقرصنة نفسها.. لأن استمرارها مرتبط بوجود مصادر دخل تجعل سرقة المحتوى نشاطا مربحا.
لكن المواجهة القانونية وحدها لن تكون كافية. فإذا كان الفيلم متاحا مجانا وبسهولة على موقع غير قانوني.. بينما يحتاج المشاهد إلى إجراءات معقدة أو تكلفة مرتفعة حتى يصل إليه بطريقة شرعية.. فإن جزءا من الجمهور سيظل يبحث عن الطريق الأسهل. لذلك يجب أن تسير الحماية والعرض القانوني معا.. منصة سهلة الاستخدام.. سعر مناسب.. وصول سريع.. وفي المقابل نظام قادر على حماية أصحاب الحقوق ومساعدتهم على تحصيل مستحقاتهم دون إجراءات بطيئة ومعقدة.
وبالتوازي مع هذه المواجهة العاجلة.. تحتاج الصناعة إلى بناء أدوات لا تظهر نتائجها في يوم واحد لكنها ضرورية لاستقرار السوق. من أهمها إنشاء قاعدة بيانات حقيقية توضح حجم السوق واتجاهاته.. وتوفير أرقام يمكن الوثوق بها عن إيرادات شباك التذاكر والمشاهدة.. ووضع آليات أكثر كفاءة لتحصيل الحقوق وتوزيعها.. إلى جانب تطوير العقود بحيث تكون حقوق كل طرف والتزاماته محددة بوضوح.
كما أن الاستثمار في العنصر البشري لا يقل أهمية عن الاستثمار في المعدات. فالتعليم والتدريب الفني المستمر يمكن أن يرفع مستوى الكوادر العاملة في مختلف مراحل الصناعة.. بينما يساعد وجود شركات توزيع متخصصة على فتح أسواق جديدة للأفلام. وفي المقابل.. تحتاج المشروعات المتوسطة والمستقلة إلى أدوات تمويل مصممة لطبيعتها.. سواء من خلال صناديق تمويل أو حوافز ضريبية أو برامج تستهدف الأفلام التي لا تستطيع الحصول بسهولة على التمويل التجاري التقليدي.
وفي كل هذه الملفات.. للدولة دور مهم.. لكن هذا الدور لا ينبغي أن يتحول إلى تدخل مباشر في اختيار الأفلام أو تحديد ما يجب أن ينتجه الفنانون. الأهم هو أن تعمل الدولة على إزالة العقبات التي تجعل الإنتاج أكثر تكلفة وبطئا. فالتصوير يرتبط بتصاريح ومواقع ومعدات وخدمات لوجستية.. وكلما كانت الإجراءات متفرقة ومعقدة.. دفع المنتج ثمن هذا التعقيد من ميزانية الفيلم.
يمكن تقليل هذا العبء من خلال نظام موحد للتراخيص والتصاريح.. وإجراءات أسرع.. وحوافز تشجع الإنتاج.. ومراجعة بعض الرسوم بحيث تكون متناسبة مع حجم المشروع.. إلى جانب دعم إنشاء خدمات ومرافق إنتاج محلية تقلل الحاجة إلى استيراد كل ما يحتاجه الفيلم من الخارج. وإذا كانت الدولة تنظر إلى السينما باعتبارها صناعة يمكنها المنافسة خارجيا.. فعليها أن تتعامل معها على هذا الأساس.. فهي لا تنتج أفلاما فقط.. وإنما توفر فرص عمل.. وتجذب إنفاقا من الخارج.. ويمكن أن تساهم في إدخال عملة أجنبية.. كما أنها تحمل صورة البلد وثقافته إلى جمهور آخر.
وتدخل الرقابة في صميم هذه المعادلة أيضا. المشكلة ليست في وجود قواعد تنظم الإنتاج.. وإنما في أن يتحول تنفيذ هذه القواعد إلى رحلة طويلة بين جهات وتصاريح وموافقات لا يعرف المنتج متى تنتهي. لا يمكن أن يتحمل صاحب الفيلم مخاطر السوق وحده بينما يظل مشروعه معلقا بسبب إجراءات غير واضحة.
المطلوب إذن ليس إلغاء الرقابة أو التنظيم.. وإنما جعل الإجراءات محددة وقابلة للتوقع. يجب أن يعرف المنتج الجهة المسؤولة.. والمدة التي يفترض أن يحصل خلالها على الرد.. والمعايير التي يتم على أساسها اتخاذ القرار.. وكذلك الطريق الذي يمكنه اللجوء إليه إذا اعترض على النتيجة. فالزمن عنصر اقتصادي مباشر في السينما.. وتأجيل التصوير قد يرفع التكلفة.. وتأخير العرض قد يفقد الفيلم موسما مهما.. وقد يؤدي التأخير إلى ضياع فرصة توزيع أو تعطيل تمويل قائم.
لكن كل هذه الإصلاحات تظل محدودة إذا لم نصل إلى السؤال الأكبر المتعلق بحرية الإبداع. فالصناعة التي تريد إنتاج أفلام مختلفة لا يمكنها في الوقت نفسه أن تجعل الكاتب أو المخرج يخشى طرح موضوعات تمس المجتمع أو تناقش قضاياه. السينما ليست مجرد وسيلة لقضاء ساعتين من الترفيه.. وإنما يمكن أن تكون وسيلة لفهم المجتمع وتسجيل تغيراته ومناقشة الأفكار والصراعات التي يعيشها.
وعندما يصبح هامش التعبير أضيق.. يتقلص معه تلقائيا مجال التنوع. بعض المبدعين قد يفضلون الابتعاد عن الموضوعات الحساسة.. والبعض الآخر قد يترك السوق أو يبحث عن بيئة أكثر قدرة على استيعاب أفكاره.. وفي النهاية تميل الصناعة إلى الأعمال الأقل مخاطرة. وهنا تظهر مفارقة واضحة.. لا يمكن أن نطالب السينما بإنتاج أفلام جريئة ومختلفة.. ثم نجعل البيئة المحيطة بها تكافئ فقط الأفلام التي لا تثير أي سؤال.
لذلك فإن إصلاح اقتصاد السينما لا يمكن فصله عن المناخ الذي تتم فيه صناعة الفيلم. فحرية الكتابة والإخراج ليست قضية ثقافية منفصلة عن الاقتصاد.. لأنها تؤثر مباشرة في نوعية الأفلام التي تنتج.. وفي قدرة الصناعة على التجديد.. وفي قدرتها على جذب جمهور يبحث عن أعمال جديدة وليست مجرد تكرار لما سبق.
وفي النهاية.. لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد زيادة عدد الأفلام التي يتم إنتاجها كل عام. العدد وحده لا يعني وجود صناعة قوية. المطلوب هو سوق تستطيع أن تمول أعمالا متنوعة.. وتمنحها فرصة حقيقية للوصول إلى المشاهد.. وتساعدها على استعادة تكلفتها.. ثم تسمح بإعادة تدوير الأرباح في إنتاج أفلام أخرى.
وعندما تصل الصناعة إلى هذه المرحلة.. يصبح الحديث عن الحقوق المالية للفنانين جزءا من منظومة اقتصادية واضحة.. لا معركة منفصلة عن باقي السوق. سيكون معروفا من يمتلك الحق.. ومن يدفع المقابل.. ومتى ينشأ الاستحقاق.. وكيف يتم حساب الإيراد.. وكيف يتم تحصيله.. وكيف يحمي القانون والمنصات هذا العائد من الضياع.. وكيف يصل في النهاية إلى صاحبه.
المسألة في جوهرها ليست إضافة بند مالي جديد إلى ميزانية الفيلم.. وإنما إعادة توزيع القوة والمخاطرة والقيمة بين أطراف الصناعة. فإذا أصبحت المنافسة أكثر عدلا.. واتسعت شبكة التوزيع.. وكبر حجم الجمهور.. وانخفضت التكاليف غير الضرورية.. وأصبحت البيانات أكثر وضوحا.. وتراجعت قدرة القرصنة على استنزاف الإيرادات.. واتسع هامش الحرية الإبداعية.. عندها لن تبدو حقوق الفنانين عبئا جديدا على صناعة تعاني من الأزمات.
بل يمكن أن تصبح هذه الحقوق جزءا طبيعيا من صناعة قادرة على خلق قيمة حقيقية.. وقادرة أيضا على توزيع هذه القيمة بين من ساهموا في إنتاجها بصورة أكثر عدلا واستدامة.



0 تعليقات