عندما يصبح المكان بطلاً وتكشف الدراما الوجه الآخر للإنسان
من كتاب السيناريو المحببين الى قلبي وثقتي فيهم كبيرة هي السيناريست "نجلاء الحديني".. واحدة من الكاتبات التي تكتب عن ثقافة ووعي وخبرة حياتية واجتماعية اثقلت موهبتها ودراسة للنفس البشرية حين تكتب شخصياتها في نص درامي.. أما من مخرجيني المفضلين عندي هو المخرج "إسلام خيري".. واحد من المبدعين الذين يمتلكون رؤية بصرية مبهرة لسرد جكايته.. إسلام خيري يضعك في الحدث ذاته.. والمكان عنده ليس مجرد حيز للتصوير.. المكان عنده شخصية من اهم شخصيات الحكاية.. فاذا كان نجيب محفوظ هو سيد من فعل ذلك وجعل للمكان شخصية وروح.. فان اسلام خيري ينتهج مدرسة سلفه من المخرجين الكبار أمثال "صلاح ابو سيف وكمال الشيخ وداود عبد السيد وعاطف الطيب ومحمد خان"... لا انكر ان قلة هم المخرجين الذين يصنعون ذلك.. ولكن اعشق المخرج الذي يجعل من مكان جكايته بطلاً له روح مثل ابطال الحكاية.
في الحلقة الأولى من مسلسل القصة الكاملة والمعنونة بـ لعبة جنهم استطاعت اولا نجلاء الحديني ان تكتب عن المكان وكأنه شخصية مستقلة لا تقل عن شخصية بطل الحكاية "الشيخ علاء" محمد فراج" وجميع ابطال العمل "عمر رزيق" الذي يقدم دوراً يتفوق فيه على سابق اعماله باتقانه للدور المقتبس من واقعة حقيقية.. يضاف اليهم الطفل العبقري ""منزر مهران. وذا كانت الحديني كتبت نصاً له ابعاد نفسية واجتماعية متقنة.. فإن المخرج إسلام خيري نفخ في تلك الشخصيات روحاً أخرى وجعل للمكان روحأ مستقلة تحوي كل ابطاله بكل ما فيهم من شرور وضعف ونقاء.
شاهدت الحلقات الثلاث مرة واحدة على دفعة واحدة دون توقف.. الكادرات في غاية الأبهار سواء تميز المخرج اسلام خيري في لقطات "الكلوز" ليشوه الشخصية تارة.. وليضفي عليها ضعفاً تارة أخرى.. وحين يأتي للضحيا تكسبها لقطات "الكلوز" طيبة غير طبيعية.. وذلك من خلال استخدام ذات الكادر.. ولكن بسحر مختلف في كل شخصية يقوم عمل كلوز عليها.. حتى في لقطاته "عين الطائر.. أو عين الإله يضفي عليها خصوصية وكأنه يترك عين أخرى ترصد معنى ما يراه الإله ويشاركنا في رؤيته كمشاهدين.. فالناس بطبيعتها تشبه وجه القمر.. ليس من ناحية الجمال المزعوم في مخيلتنا او مخيلة الشعراء والمادحين في جمال الناس.. فالقمر مجرد جسم صخري معتم لا حياة فيه.. يمنجه ضوء الشمس تلك الهالة من البهاء والجمال.. ولكن على الوجه الأخر منه ظلام دامس.. عتمة لا مثيل لها وبرودة حد التجمد.. الناس تشبه القمر.. يبدو لنا منها وجه.. ووجه آخر لا نراه.. وهو ما لا يظهر لنا كثيراً.. وحتى هم ينكرونه والجميع يظهر وجهه القمر المضئ.. الأنسان بطبيعته لا يحب اظهار ما بداخله حتى لأقرب من له.. فالوجة الأخر مرعب اذا ظهر.. حتى للشخص نفسه.. لذلك يدعي معظمن المثالية والملائكية وهو في كثير من الأوقات ينطبق عليه اسم رواية الاديب الكبير نجيب محفوظ الشيطان يعظ .. وأكثر تلك الوجه التي تجيد التمثيل واظهار وجه الملائكة من يدعون التدين أو تجار الدين.. فالدين بالنسبة لهم مجرد بضاعة يطبقونها على الآخرين لا على انفسهم. ثم نأتي الى السقطات النفسية في الديكور والأكسسوار التي انحني فيها لمصمم الديكور والأكسسوار والمخرج ذاته في لوحات معبرة عن شخصية بطل الحكاية "عمر رزيق" حيث لوحة كبيرة للفنان "فان جوخ" اكثر الفنانين اكتئاباً لدردة قطعه اذنه بنفسه ورسم لوحة شخصية له وهو مقطوع الأذن معلقة في غرفة البطل المحرض على لعبة جهنم "الدارك ويب" ولوحة اخرى لمسلسل "Dexter" وهو مسلسل جريمة وغموض امريكي بطله يعمل في مجال الطب الشرعي وهو اختيار في غاية الدلالة على نفسبة الفتي البطل "عمر رزيق/سليم" الذي يناقض اسمه فعله الغير سوي بالمرة.. والى جوارها صور لفان جوخ في مرحلته الزرقاء من الأكتئاب.. وهامستر محبوس في قفص يلف في دائرة كانه يتلذذ بهكذا فعل للحيوان... وتفصيلة كون الفتى "سليم/عمر رزيق" اعسر.. يكتب باليد اليسرى لأن معظم من يكتبون بيدهم اليسرى او يستخدمون قدمهم اليسرى اذكياء.. أما في كل تفاصيل "محمد فراج/علاء" فكانت بديعة بداية من طريقته لتدخين السيجارة ومسكه لها ومشيته والماكير العبقري الذي صنع له هذا المكياج وكل أبطال العمل احالهم الماكير الى وجوه طبيعية في غاية الأتقان.. زاد ذلك الأبداع في الديكور والملابس والإضاءة وتصويره للحيوانات حتى جعل منها بطلا مثل ابطال المسلسل بتلك الزوايا والكادرات الرهيفة في تصويرها.. ومدير التصوير الذي نفخ مع المخرج بزواياه الروح في كل الأبطال واختار موتيفات بصرية دالة على التناقض عند بطلي الحكاية "محمد فراج وعمر رزيق" من خلال استخدامهما للغطاء الديني سواء بالأيات المكتوبة او نغمة الموبايل او صور لها دلالة رمزية عند المسلمين كالكعبة وغيرها من الأيات القرآنية.. ثم يأتي أحد ابداعات المسلسل هو المونتاج.. فالمونتير هو سارد الحكاية الأهم وهو جامع جواهر المشاهد ليصنع منها حكاية يسردها بقطعات مونتاج لا توتر العين ولا تزعج الأذن.. وهذا المونتاج هو أحد اجمل روائع هذا العمل الذي اعاد محمد فراج الى سابق ابداعه بعد ان اخفق العام الماضي وفي اعمال في عمل سئ وتخلى عن زيادة مشاعره وصوته فصنع من شخصية "علاء" شخصية من لحم ودم تتجاوز حد الواقع والحقيقة.

فإذا ذهبنا الى الأدوار الثانية كشخصيات من روح المكان وطبيعته مثل الفنان "ياسر عزت" والفنانة "راندا ابراهيم" التي صنعت ابداعاً يوكد انها نجمة كبيرة ..فقط اذا تركت لها الفرصة ومساحة دور كما في هذا المسلسل.. ولا انكر ان جميع الأدوار الثانية بديعة في لبسها للشخصيات مثل الفنان عمرو فريد شوقي والفنان محمد شيبه والفنان يحيي أحمد والفنانة غادة طلعت والفنان حاتم قورة وكل من شارك في هذا المسلسل القصير حتى لو ظهر كمجاميع وظفها المخرج اسلام خيري لنراهم كنجوم في أماكنهم ومساحتهم.
مسلسل لعبة جهنم عمل بديع للمنتج "مجدي الهواري" يدرك معنى الدراما واهميتها في محاولة معالجة خطايا البشر.. ويثمن لمنصة شاهد ذلك النشاط الدرامي الملحوظ.. في حين ان انتاجنا الدرامي في مصر نائم في العسل.. لعل المانع خير ويستيقظ قريباً من مواته.
0 تعليقات