أخبار الإنترنت
recent

كيف تقتبس من أعمال فنية عظيمة دون أن يلاحظ أحد؟

كيف تقتبس من أعمال فنية عظيمة دون أن يلاحظ أحد؟

إعادة بناء الأفكار والآليات الدرامية بدلًا من سرقة القصص

من أكثر الأسئلة التي يخفيها كُتاب السيناريو المبتدئون داخل عقولهم سؤال يبدو محرجًا: هل كل الأفكار العظيمة تم استهلاكها بالفعل؟ وهل أصبح من المستحيل كتابة قصة جديدة لم يسبق لأحد أن كتبها؟

الحقيقة الصادمة أن معظم الأعمال العظيمة التي نعتبرها اليوم أصلية ومبتكرة لم تُخلق من فراغ  فالتاريخ الفني كله قائم على التأثر وإعادة البناء والتطوير ..  شكسبير نفسه استعار من التاريخ والأساطير وجورج لوكاس استلهم حرب النجوم من أفلام الساموراي والأساطير القديمة. وكريستوفر نولان لم يخترع مفهوم الأحلام أو الزمن أو الذاكرة، بل أعاد تركيبها داخل أنظمة درامية جديدة.

المشكلة ليست في التأثر بالأعمال العظيمة ، بل في الطريقة التي يتم بها هذا التأثر ..  هناك فرق هائل بين كاتب يسرق القصة وكاتب يسرق الآلية الدرامية التي صنعت نجاح القصة.

ولهذا فإن الكاتب الذكي لا يسأل: "كيف أكتب شيئًا لم يكتبه أحد؟"

بل يسأل:

"كيف أعيد بناء ما نجح من قبل في صورة جديدة تمامًا؟"

1 : لا توجد أفكار جديدة تقريبًا

هذه الجملة تزعج الكثير من الكتاب، لكنها صحيحة إلى حد بعيد.

خذ أي فيلم شهير تقريبًا:

  • البطل الذي يبحث عن نفسه.
  • الانتقام.
  • الحب المستحيل.
  • الصعود من الفقر إلى النجاح.
  • الصراع بين الخير والشر.
  • التضحية من أجل هدف أكبر.

كل هذه الأفكار موجودة منذ آلاف السنين.

لكن لماذا نشاهدها باستمرار؟

لأن الجمهور لا يشتري الفكرة.

الجمهور يشتري التجربة.

فكرة "الانتقام" موجودة في مئات الأفلام، لكن Kill Bill ليس Gladiator وليس John Wick وليس The Revenant.

الفكرة واحدة.

التنفيذ مختلف.

2 : ما الذي يجب أن تسرقه فعلًا؟

الكاتب الضعيف يسرق الأحداث.

الكاتب الجيد يسرق البنية.

الكاتب العظيم يسرق الآلية.

وهنا يكمن الفرق.

لنفترض أنك شاهدت فيلمًا أعجبك بشدة.

أغلب المبتدئين يفعلون شيئًا كهذا:

  • بطل مشابه.
  • أحداث مشابهة.
  • نهاية مشابهة.

وهنا تصبح السرقة واضحة.

أما الكاتب المحترف فيسأل سؤالًا مختلفًا:

ما الآلية التي جعلت هذا الفيلم ممتعًا؟

مثال عملي

لنفترض أنك أحببت فيلم Inception.

الخطأ الشائع هو محاولة كتابة فيلم عن الأحلام.

لكن الأحلام ليست سبب نجاح الفيلم.

السبب الحقيقي هو وجود مستويات متعددة من الواقع، وكل مستوى يؤثر على المستوى الآخر.

إذن ما الذي يمكن سرقته؟

الآلية.

يمكنك كتابة فيلم عن:

  • لعبة فيديو.
  • ذكريات.
  • محاكاة إلكترونية.
  • عوالم افتراضية.

وتستخدم نفس الآلية الدرامية دون أن تكرر قصة Inception.

3 : سرقة الهيكل لا المحتوى

أحد أهم أسرار الكتابة الاحترافية هو فهم الفرق بين الهيكل والمحتوى.

المحتوى هو ما يراه المشاهد.

أما الهيكل فهو ما يحرك القصة من الداخل.

مثال:

فيلم The Lion King وفيلم Hamlet.

السطح مختلف تمامًا.

أحدهما عن أسود.

والآخر عن أمير دنماركي.

لكن الهيكل الدرامي متشابه للغاية.

ابن يفقد والده.

عم يستولي على السلطة.

البطل يهرب.

ثم يعود للمواجهة.

الجمهور لا يلاحظ الهيكل بسهولة لأنه منشغل بالمحتوى.

4 : سرقة العلاقات الدرامية

أحيانًا لا تكون قوة العمل في القصة نفسها.

بل في العلاقة بين الشخصيات.

خذ مثالًا بسيطًا:

علاقة المعلم والتلميذ.

يمكن أن تتحول إلى:

  • مدرب ولاعب.
  • قائد وجندي.
  • أب وابن.
  • عالم ومساعده.

الآلية الدرامية نفسها.

لكن الشكل الخارجي يتغير بالكامل.

ولهذا كثير من الأعمال الناجحة تستخدم العلاقات القديمة نفسها لكن في سياقات جديدة.

5 : سرقة الصراع وليس الحبكة

معظم الكتّاب يركزون على الأحداث.

لكن الجمهور يتعلق بالصراع.

خذ مثالًا:

رجل يريد شيئًا.

هناك قوة تمنعه.

هذا هو أصل معظم القصص.

إذا فهمت طبيعة الصراع في عمل عظيم يمكنك إعادة إنتاجه مئات المرات.

فيلم رياضي.

فيلم سياسي.

فيلم خيال علمي.

فيلم تاريخي.

قد تختلف البيئات كلها.

لكن الصراع الداخلي والخارجي يظل متشابهًا.

6 : تحليل العمل مثل مهندس لا مثل مشاهد

هذه النقطة تغير حياة الكاتب.

عندما تشاهد فيلمًا عظيمًا لا تسأل:

ماذا حدث؟

اسأل:

لماذا حدث؟

كيف تم بناء هذا المشهد؟

لماذا جاء هذا المشهد هنا تحديدًا؟

لماذا أحببت هذه الشخصية؟

كيف خلق الكاتب التعاطف معها؟

كلما أصبحت أكثر قدرة على تفكيك العمل ستصبح أكثر قدرة على إعادة تركيبه.

7: تقنية "التجريد"

من أقوى الأدوات التي يستخدمها الكتّاب المحترفون.

بعد مشاهدة أي عمل ناجح قم بتجريده من تفاصيله.

مثلًا:

بدل أن تقول:

"فيلم عن محقق يطارد قاتلًا."

حولها إلى:

"شخص يبحث عن حقيقة تهدد هويته."

الآن أصبحت تمتلك جوهر الفكرة.

وهذا الجوهر يمكن نقله إلى عشرات القصص المختلفة.

8 : الدمج أهم من الاختراع

كثير من الكتّاب يبحثون عن الاختراع.

لكن الواقع أن الدمج أكثر قوة.

خذ عنصرًا من عمل.

وعنصرًا من عمل آخر.

وعنصرًا من تجربة شخصية.

وامزجهم معًا.

النتيجة غالبًا ستكون أكثر أصالة من محاولة اختراع شيء من الصفر.

9 : قاعدة الثلاثة مصادر

إذا أخذت من مصدر واحد سيلاحظ الجميع.

إذا أخذت من مصدرين قد يلاحظ البعض.

أما إذا أخذت من ثلاثة أو أربعة مصادر مختلفة وأعدت دمجها، فستنتج شيئًا جديدًا تمامًا.

هذه قاعدة يستخدمها كثير من الكتّاب دون تصريح مباشر.

10: لا تنقل المشاهد الشهيرة

من أكبر الأخطاء.

المشهد الشهير غالبًا مرتبط بسياق محدد جدًا.

عندما تنقله كما هو يبدو مزيفًا.

لكن يمكنك فهم وظيفته.

هل كان:

  • كشفًا للمعلومات؟
  • نقطة تحول؟
  • صدمة عاطفية؟
  • تصعيدًا للصراع؟

خذ الوظيفة.

واترك المشهد نفسه.

11: سرقة المشاعر لا الأحداث

الجمهور لا يتذكر الأحداث بقدر ما يتذكر الشعور.

يتذكر:

  • التوتر.
  • الدهشة.
  • الحزن.
  • الانتصار.

إذا استطعت إعادة خلق نفس المشاعر بوسائل مختلفة فأنت لم تسرق العمل.

بل تعلمت منه.

12: كيف تعرف أنك وقعت في السرقة؟

اسأل نفسك:

لو حذفت أسماء الشخصيات والأماكن...

هل سيكتشف الجمهور العمل الأصلي بسهولة؟

إذا كانت الإجابة نعم فأنت قريب جدًا من النسخ.

أما إذا بقي الهيكل فقط بينما اختلف العالم والشخصيات والصراع والتفاصيل فغالبًا أنت في المنطقة الآمنة.

13: التلميذ والنسخة

في بداية الطريق يمر معظم الكتّاب بمرحلة التقليد.

وهذا طبيعي.

لكن المشكلة عندما يبقى الكاتب في هذه المرحلة.

التقليد يجب أن يكون تدريبًا لا وجهة نهائية.

كل كاتب عظيم بدأ متأثرًا بغيره.

لكن كل كاتب عظيم أيضًا وصل في النهاية إلى صوته الخاص.

14: أكبر كذبة في مفهوم الأصالة

هناك اعتقاد شائع أن الكاتب الأصلي هو الذي لا يتأثر بأحد.

وهذا غير صحيح.

الأصالة لا تعني غياب التأثر.

الأصالة تعني أن يصبح التأثر غير مرئي.

أن تمر الفكرة عبر عقلك وتجاربك وثقافتك حتى تخرج بشكل مختلف تمامًا.

وأخيراً : الكاتب المحترف لا يسرق القصص، بل يدرسها. لا ينسخ المشاهد، بل يفهم وظائفها.. لا يأخذ الشخصيات كما هي، بل يستوعب الآليات النفسية التي جعلتها ناجحة. ولهذا فإن أفضل طريقة للاستفادة من الأعمال العظيمة ليست محاولة تقليدها، بل تفكيكها مثل مهندس يدرس آلة معقدة، ثم إعادة بناء أجزاء من تلك الآلة داخل مشروع جديد يحمل بصمتك الخاصة.

عندما تصل إلى هذه المرحلة ستكتشف حقيقة مهمة جدًا: أن معظم الإبداع في السيناريو ليس اختراع أفكار جديدة، بل إعادة ترتيب الأفكار القديمة بطريقة تجعل الجمهور يشعر أنه يراها لأول مرة. وهذا هو الفارق الحقيقي بين السرقة والتعلم، وبين النسخ والإبداع.

الشمس اليوم

الشمس اليوم

يتم التشغيل بواسطة Blogger.