الجسد يتكلم قبل الحوار
أ.سامي عبدالعظيم
في السيناريو الجيد لا تحتاج الشخصية دائما الى تقديم نفسها بالكلام.. احيانا يكفي ان تجلس دقيقة واحدة فقط لكي يفهم المشاهد من تكون.. هل هي واثقة.. متوترة.. متعالية.. مكسورة.. خائفة.. مدللة.. مرهقة.. او شخص عاش سنوات طويلة في القلق والضغط.. طريقة الجلوس ليست تفصيلة تجميلية داخل المشهد كما يظن بعض الكتاب المبتدئين.. بل هي اختصار نفسي كامل للشخصية.. ولهذا السبب تجد بعض الشخصيات تعلق في ذهن المشاهد حتى قبل ان تتحدث.
المشكلة ان كثير من كتاب السيناريو يكتبون الشخصيات بنفس الشكل تقريبا.. الجميع يقف ويتحرك ويجلس بطريقة عادية جدا.. وكأن الشخصيات بلا تاريخ.. بينما في الحقيقة كل انسان في العالم يحمل اسلوبا خاصا به في الجلوس ناتجا عن عمر كامل من التجارب والمواقف والعقد النفسية والراحة او الخوف.
الشخص الواثق لا يجلس مثل الشخص الذي يشعر دائما انه مراقب.. والمرأة التي تعودت على فرض حضورها في المكان لا تجلس مثل امرأة تحاول الاختفاء.. حتى الشخص الذي نشأ وسط عائلة عصبية تختلف جلسته عن شخص تربى في بيئة هادئة.. الجسد يخزن كل شيء.. وعندما تكتب مشهدا بدون الاهتمام بلغة الجسد فأنت تخسر طبقة كاملة من الواقعية.
هناك شخصيات تدخل المكان وكأنها تملكه.. تجلس قبل ان يطلب منها احد ذلك.. تتمدد.. تفتح ذراعيها.. تحرك الكرسي براحة.. تنظر حولها دون توتر.. هذه الشخصية لا تحتاج ان تقول انا قوي.. المشاهد فهم ذلك بالفعل.. وفي المقابل هناك شخصيات تجلس على طرف الكرسي فقط.. وكأنها مستعدة للهروب في اي لحظة.. ظهرها مشدود.. يداها متشابكتان.. اقدامها ثابتة بعصبية.. حتى لو كانت تبتسم فهناك شيء داخلها غير مرتاح.
الخطير في الموضوع ان المشاهد العادي قد لا ينتبه لهذه التفاصيل بوعيه الكامل.. لكنه يشعر بها.. وهنا يكمن سحر السيناريو الذكي.. ان تجعل الجمهور يشعر دون ان تشرح له.
بعض الكتاب يظنون ان بناء الشخصية يعني كتابة ماض طويل لها.. او وضع عقدة نفسية واضحة.. بينما احيانا حركة صغيرة مثل طريقة الجلوس قد تكون اقوى من خمس صفحات حوار.. تخيل زوجة غاضبة من زوجها لكنها لا تريد افتعال مشكلة.. تدخل الصالة وتجلس بعيدا عنه قليلا.. تعطيه نصف ظهرها.. تضع ساقا فوق الاخرى بسرعة حادة.. تمسك هاتفها دون استخدامه.. هنا المشهد كله يقول انها غاضبة حتى لو لم تنطق بكلمة.
في الافلام القوية ستلاحظ ان الشخصيات تملك اسلوب جلوس ثابت تقريبا طوال العمل.. الشخص المسيطر دائما يحتل مساحة واسعة.. الشخص القلق يتحرك كثيرا.. والشخص المرهق يترك جسده يهبط على الكرسي وكأنه يحمل العالم فوق ظهره.. هذه التفاصيل لا تأتي بالصدفة.. بل نتيجة فهم عميق للنفس البشرية.
الاجمل ان طريقة الجلوس نفسها يمكن ان تتطور مع تطور الشخصية.. وهنا تظهر عبقرية الكاتب.. رجل يبدأ الفيلم منطويا يجلس دائما منكمشا.. ثم بعد سلسلة من التحولات تراه في النهاية يجلس براحة وثبات.. بدون اي حوار سيفهم المشاهد ان الشخصية تغيرت.
حتى العلاقات بين الشخصيات تظهر من الجلوس.. عاشقان بينهما راحة قد يجلسان متقاربين جدا دون قصد.. بينما شخصان بينهما توتر يتركان مسافة واضحة حتى لو كانا يتحدثان بلطف.. في المشاهد العائلية مثلا تستطيع كشف الشخص المرفوض داخل البيت من مكان جلوسه وحده.. هل يجلس على الطرف.. هل يتحرك كثيرا.. هل يشارك المساحة براحة ام يشعر انه دخيل.
الكاتب الذكي لا يكتب فقط "يجلس".. هذه كلمة ميتة تقريبا.. لكن عندما تكتب "يجلس واضعا كوعه فوق ظهر الكرسي وكأنه صاحب المكان".. هنا بدأت الشخصية تتنفس.. وعندما تكتب "تجلس وهي تضم ذراعيها حول نفسها رغم حرارة الجو".. انت لا تصف حركة فقط.. بل تكشف عالمها الداخلي.
الناس في الحقيقة لا تنتبه الى نفسها وهي تجلس.. ولهذا تبدو هذه التصرفات صادقة جدا على الشاشة.. الانسان يستطيع تزييف كلامه بسهولة.. لكنه ينسى جسده دائما.. ولهذا السبب تكون لغة الجسد اقرب للحقيقة من الحوار.
حتى الكوميديا تعتمد كثيرا على طريقة الجلوس.. هناك شخصية مضحكة فقط لانها تجلس بثقة مبالغ فيها.. او شخصية اخرى تجلس بتوتر كارثي في كل مكان.. والمشاهد يضحك لانه يرى التناقض قبل ان يسمع النكتة.
ومن الاخطاء المنتشرة ان الكاتب يصف كل الشخصيات بنفس الطريقة تقريبا.. الجميع يجلس بشكل طبيعي.. يتحرك بشكل طبيعي.. ينظر بشكل طبيعي.. وكأنهم روبوتات.. بينما الواقع مختلف تماما.. كل انسان لديه فوضاه الخاصة.. عاداته الخاصة.. وطريقته التي تشكلت عبر السنين.
حين تبدأ كتابة اي شخصية اسأل نفسك سؤالا بسيطا جدا.. كيف تجلس هذه الشخصية عندما تكون مرتاحة تماما.. ثم كيف تجلس عندما تخاف.. ثم كيف تحاول اخفاء مشاعرها.. هذه الاسئلة ستفتح لك ابوابا ضخمة في الكتابة..
بعض الشخصيات تضع قدما فوق الاخرى كنوع من السيطرة.. شخصيات اخرى تفعل ذلك دفاعا عن نفسها.. نفس الحركة قد تحمل معنيين مختلفين حسب السياق.. وهنا تأتي اهمية فهمك للشخصية نفسها وليس الحركة فقط.
السيناريو الحقيقي لا يعيش في الحوار وحده.. بل في المسافات الصغيرة.. في وضع اليد.. في ميلان الرأس.. في طريقة دخول الغرفة.. وفي اسلوب الجلوس الذي قد يفضح كل شيء دون كلمة واحدة.
وعندما تتقن هذا النوع من الكتابة ستلاحظ ان شخصياتك اصبحت اثقل.. اكثر حياة.. واكثر قدرة على البقاء داخل ذاكرة المشاهد.. ليس بسبب الجمل الرنانة.. بل لانها تشبه البشر الحقيقيين.. والبشر الحقيقيون دائما تكشفهم اجسادهم قبل اصواتهم.
ومن اكثر الاشياء التي تكشف خبرة الكاتب الحقيقي انك تستطيع معرفة طبيعة الشخصية حتى وهي صامتة تماما.. بعض الشخصيات تدخل المشهد وهي منهارة داخليا لكنها تحاول الظهور بثبات.. هنا طريقة الجلوس تصبح معركة صغيرة بين ما تشعر به الشخصية وما تريد ان تخفيه.. قد تجلس مستقيمة اكثر من اللازم.. ترفع ذقنها بصورة متعمدة.. تحاول تثبيت قدميها بثقة مصطنعة.. لكن يدها مثلا لا تتوقف عن الحركة.. او كتفها يهبط كل بضع ثوان.. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل الشخصية انسانا حقيقيا وليس مجرد وصف مكتوب.
هناك نوع من الشخصيات يجلس دائما وكأنه مستعد للرحيل.. حقيبته بجواره.. قدماه باتجاه الباب.. ظهره لا يلامس الكرسي بالكامل.. هذا الشخص غالبا لا يشعر بالامان في حياته.. حتى لو كان يبتسم ويتحدث بشكل طبيعي.. الجسد يفضحه دون ان يقصد..
وفي المقابل توجد شخصيات تجلس وكأنها تبتلع المكان كله.. تضع اشياءها حولها.. تمد ذراعها فوق ظهر الكنبة.. تتحرك براحة زائدة.. هذه الشخصيات قد تكون قوية فعلا.. وقد تكون فقط تخفي خوفا عميقا عبر استعراض الثقة.. وهنا يأتي دور السياق.. الكاتب الذكي لا يعتمد على الحركة وحدها بل على توقيتها ايضا.
تخيل مثلا شخصية رجل اعمال يجلس بثقة هائلة طوال الفيلم.. ثم تأتي لحظة انهياره الحقيقي.. وفجأة تراه يجلس منكمشا لا يعرف اين يضع يديه.. هنا التأثير سيكون ضخما لان المشاهد اعتاد صورة معينة له.. التغيير المفاجئ في لغة الجسد يخلق صدمة اقوى من الحوار نفسه.
حتى الحب يمكن التعبير عنه عبر طريقة الجلوس.. شخص يحب اخر بصدق غالبا يميل بجسده نحوه دون وعي.. يحافظ على مواجهة كاملة معه.. يشعر براحة في الاقتراب.. بينما العلاقات الباردة دائما يظهر فيها شيء من المسافات.. حتى لو كان الكلام رومانسيا.
ومن اجمل استخدامات الجلوس في السيناريو هو اظهار التناقض.. فتاة تبدو جريئة جدا في كلامها لكنها تجلس طوال الوقت وهي تضغط اصابعها ببعضها تحت الطاولة.. شاب يبدو هادئا لكنه يهز قدمه بعنف طوال الحوار.. هنا انت تخلق عمقا نفسيا حقيقيا.. لان البشر دائما يحملون اكثر من طبقة.
بعض الكتاب يكتبون المشهد وكأنه تسجيل كاميرا مراقبة.. "دخل.. جلس.. تكلم".. لكن المشهد الحقيقي يحتاج احساسا بالحياة.. كيف جلس.. لماذا جلس بهذه الطريقة.. ماذا تقول جلسته عن تاريخه النفسي.. هذه الاسئلة تصنع الفرق بين مشهد عادي ومشهد يبقى.
هناك شخصيات تشعر بالخجل من اجسادها.. ستلاحظها دائما تحاول تقليل المساحة التي تحتلها.. تضم ذراعيها.. تنحني قليلا.. تسحب قدميها اسفل الكرسي.. وكأنها تعتذر عن وجودها.. بينما الشخصيات الواثقة تتحرك براحة داخل المساحة وكأن العالم خلق لها.
واحيانا قد تستخدم طريقة الجلوس ككذبة درامية.. شخصية تريد اخافة الاخرين فتجلس بثبات وتحد.. لكن بمجرد خروج الناس من الغرفة تنهار جلستها تماما.. هنا المشاهد يفهم ان القوة كانت مجرد قناع.
الممتع في هذا الاسلوب انه لا يحتاج ميزانية ولا مؤثرات.. فقط فهم جيد للبشر.. ولهذا تجد اعظم الافلام مليئة بلحظات صامتة اقوى من الانفجارات والمعارك.. لان الانسان بطبيعته يقرأ لغة الجسد بشكل تلقائي.
حتى طريقة النهوض من الجلسة تكشف الكثير.. هناك من ينهض بسرعة عصبية.. وهناك من ينهض ببطء وكأنه يحمل ثقلا داخليا.. وهناك من يتردد قبل الوقوف كأنه لا يريد مواجهة ما ينتظره.. كل هذه تفاصيل درامية هائلة لو انتبه لها الكاتب.
السيناريو الضعيف يخبرك بما تشعر به الشخصية.. اما السيناريو القوي فيجعلك تراه بنفسك.. وهذه هي النقطة الاهم.. لا تجعل شخصيتك تقول "انا متوتر".. اجعلها تجلس بطريقة تكشف ذلك.. لا تجعلها تقول "انا متكبر".. اجعلها تتعامل مع الكرسي وكأنه عرش صغير.
حتى في مشاهد الصداقة تستطيع استخدام الجلوس بذكاء.. الاصدقاء الحقيقيون يجلسون بعشوائية وراحة.. لا يفكرون كثيرا في صورتهم.. بينما الغرباء تكون اجسادهم محسوبة اكثر.. المسافات دقيقة.. الحركات متحفظة.. والعيون تراقب ردود الفعل باستمرار.
ولو تأملت الناس في الاماكن العامة ستكتشف كنزا هائلا للكتابة.. راقب شخصا ينتظر مقابلة عمل.. وشخصا يجلس مع حبيبته.. ورجلا عاد لتوه من يوم عمل مرهق.. ستجد ان لكل واحد عالما كاملا يظهر فقط من جلسته.
وهذا ما يجعل كتابة السيناريو ممتعة.. انت لا تكتب كلمات فقط.. بل تكتب بشرا.. والبشر لا يعيشون عبر الحوار وحده.. بل عبر اجسادهم ايضا.
ومن الاخطاء الشائعة ان الكاتب يبالغ في وصف لغة الجسد بطريقة مسرحية جدا.. بينما الحقيقة ان اقوى التفاصيل غالبا تكون ابسطها.. نظرة قصيرة.. كتف مرتخ.. جلوس مائل قليلا.. هذه اللمسات الصغيرة هي التي تصنع الواقعية.
كذلك لا تجعل كل الشخصيات مميزة بشكل مبالغ فيه.. ليس مطلوبا ان تكون لكل شخصية حركة اسطورية.. احيانا يكفي اختلاف بسيط وثابت لكي تصبح الشخصية حقيقية.. شخص دائما يجلس واضعا يده اسفل ذقنه.. امرأة تعيد ترتيب ملابسها كلما توترت.. رجل يغير جلسته كل دقيقة لانه لا يعرف كيف يستقر.. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع الذاكرة.
وفي المشاهد العاطفية تحديدا تصبح طريقة الجلوس سلاحا خطيرا.. تخيل زوجين بينهما مشكلة كبيرة.. يجلسان على نفس الكنبة لكن بينهما مسافة صغيرة جدا تبدو كأنها شارع كامل.. لا حاجة لحوار طويل هنا.. الصورة وحدها تقول كل شيء.
واحيانا تكون اقوى لحظة في المشهد عندما تتغير الجلسة فجأة.. شخص كان مغلقا على نفسه ثم يقترب قليلا.. امرأة كانت تعطي ظهرها لشخص ثم تستدير نحوه ببطء.. هذه التحولات البسيطة تعني دراميا احيانا اكثر من الاعترافات المباشرة.
المشاهد الذكي يحب ان يشارك في فهم الشخصيات.. لا يحب ان تشرح له كل شيء بالكلام.. ولهذا عندما تستخدم لغة الجسد بذكاء يشعر المشاهد انه اكتشف الشخصية بنفسه.. وهنا يرتبط بها اكثر.
حتى الشرير في الافلام يمكن بناؤه من جلسته.. بعض الاشرار يجلسون بهدوء مخيف.. لا يتحركون كثيرا.. يسيطرون على المكان بصمت.. بينما هناك شرير عصبي لا يستطيع الثبات لحظة.. كل نوع يخلق احساسا مختلفا تماما.
ولو سألت نفسك لماذا بعض الشخصيات تبدو حقيقية جدا رغم بساطة قصتها.. فالسبب غالبا ان الكاتب فهم كيف يتعامل مع تفاصيلها الصغيرة.. طريقة المشي.. النظرات.. والجلوس بالتحديد.. لان الجلوس لحظة يسقط فيها التمثيل الاجتماعي قليلا ويظهر الانسان الحقيقي.
في النهاية.. الشخصية القوية ليست التي تتكلم كثيرا.. بل التي تشعر بوجودها حتى وهي صامتة.. وعندما تتقن استخدام طريقة الجلوس داخل السيناريو ستكتشف انك لم تعد تحتاج شرحا طويلا لكل شخصية.. يكفي ان يدخل الانسان الغرفة.. يسحب الكرسي.. ويجلس.. وبعدها سيفهم المشاهد وحده كل شيء تقريبا.
